نجيب الزامل

نجيب الزامل

.. أريد أن أسألكم ما الفرق بين الغابةِ، وبين البستان أو الحديقة الغنّاء؟ وأظن إن الإجابة واضحة عند كل منكم، يكفي أننا لا نقول ان الغابة الغناء، ولا نصفها بالتنسيق والبـِدَع والجمال.. أبدا.في حادثةٍ قديمة عن رائد غاباتِ إنجليزي، كان يكاتب زوجته في لندن، ويقول لها: «متى أجتمع معك في لندن، حيث نتمتع في مناظر البساتين وحدائق الميادين والقصور، وأبتعِد عن هذه الفوضى الضاربة في الغابةِ العذراء التي لم ينظمها إنسان..» ثم تجيبه زوجته: «أين الفوضى في الغابة وهي النظامُ الطبيعي الأمثل؟!».. فرد عليها برسالةٍ تسرّبَت لصحف أواخر القرن التاسع عشر: «هل أنت معتوهة، كيف يكون شيئا منظما لم يبدعه عقلُ الإنسان؟!» كلما أتذكر هذه الحادثة أستعيد حِكـَماً جديدة في الخلـْق، فالغابة تبدو مشوشة، متشابكة الأغصان والنبات، وتتمايل فيها حبالُ الأشجار الرخوة، وتُحجَب الشمسُ في أدغالها وتنير في سافانها.. بلا شكلٍ هندسي منسق ولا مترابط، بينما ترى أجمل الحدائق في أروع المدن وإذا عقلك ينتشي بالجمال لأنه يتماشى مع ما يفهمه من أطـُر النـَّسَق والجمال والهندسة، فيرتاح العقلُ ويستوعب ويسيح في اشتياقات الجمال.. ولكن فات العقلَ شيءٌ كبيرٌ، بل كبير جدا..ان النظامَ الأكبرَ هو في الغابة، وليس في البستان المنسَّق. ولكن العقل لا يمكن أن يستوعب من أول انطباع نظاماً غاية في الدقة بحيث تفوق قياسات الإنسان في الدقة والتصور.. فالغابة هي النظام الحقيقي والأكثر تعقيدا من التعقيد، تصور أن الغابة محسوبٌ ضياؤها وظلامُها بمقياس، حيث تختلف الحيوانات والحشراتُ والهوامُ في بيئتها الحيوية في تلك القياسات، وتصور كم آلاف الأنواع من ذوات الأظلاف، والحوافر، والمخالب، والزواحف، والدواب، تعيش في الغابة كل في بيئته المنتظمة والمنظـَّمَة والمُقاسة حسب كل خلية حيوية في كل نوع.. والحبالُ الليفية في الغابات تعيش عليها الديدان وتتغذى الطيور وتتنقل القِرَدة بعيدا عن الوحوش من أجَمَةٍ إلى أخرى، لك أن تتصور كيف أن في غاباتِ الأمازون مائة ألف نوع فقط من الخنفساء كلّ في بيئة مختلفة بالضبط والمقاس ولو أُخِذَت منها لانتهت.. وهذا تماما ما حصل لما أراد العقلُ الإنساني أن ينظـِّم الغابة فإذا الحيوانات تنقرض، والنباتُ يجف، والبيئة الكونية برمتها تتغير.. لأنه مسّ النظامَ الطبيعي فخلق الفوضى التي تبدو نظاما. فاخترع علماءُ الكونيات ما سموها «الفوضى المنظمّة».. ولا نرى في الكون إلا نظامَ النظام!ومن هنا لأننا نحن من سُنن الكون، ونتكيف مع قوانينِه، فالنظامُ يجعلنا نتناغم مع كينونتنا المثالية، وكأن في أبداننا أو في أدمغتنا ميقاتا لنشاط حيوي يتكيف صحيا وينمو مع النظام الذي هو قانون الكون الكبير، وما أسبابُ قلقنا وتأخرنا وارتباكنا إلا أننا لا نعطي النظامَ حقه الوجداني والعقلي. وعندما جرّبت الأمَمُ، أو بعضها، النظامَ، تناغمت مع إيقاع الوجود، فنمت لان هذا ما يولده النظام.النظامُ.. قاعدة للتطور، بلا نظام سنبقى كـَمـًّا متروكا بلا اقتدارٍ ولا اعتبار. najeeb@sahara.com