د.محمد حامد الغامدي
ينتظر العبور إلى ضفة الشارع الأخرى.. كأنه في مكانه منذ أن كان طفلا.. كهل.. أصبح هكذا.. بعمر يتمدد نحو نهايته.. تقوس الظهر.. بالتأكيد ليس من وقفة انتظار العبور.. لكنها من وقفة الجسد في محطة الحياة.. ينتظر العبور الكبير إلى يقين النهاية. في يده بعض (أكياس).. بداخلها خبز.. يغطي وعاء.. في جوفه بعض حبات الفول المطحونة.. وراءه عصافير بشرية تنتظر الطعام.. متى يعود؟.. يعلمون أن وقته ضاع في الضفة الثانية من الشارع.. لا نقطة تسمح.. تعطي حق العبور.. احترام البشر ليس في أجندة المسئول.. عليه استجداء الآخرين للتوقف.. الكل متجه إلى سبيل رزقه.. يرونه.. لكنهم غير مكترثين.. هل يجثو على ركبتيه يستجدي نخوتهم للوقوف؟! يجلسون في علبة طغى عليها الحديد والزجاج.. سيارات مسرعة إلى الأمام.. لا تعرف أين هي.. جماد يقوده حي.. حديد ميت يحركه شعور إنسان.. ثقل يتنقل دون عاطفة. أخيرا.. عبر الشارع.. لم تتناثر الخطى.. وصل الضفة الأخرى.. راح يطوي طريقه إلى الأمام.. على هونه.. يسلم على هذا.. يرد على آخرين.. يعرفهم.. جيرانه يلوحون ويبتسمون. هناك قوم في عيونهم الكثير من الأسئلة.. السؤال الأهم في عيونهم : لماذا أنت هنا وسط البلد؟!.. كن مثل الآخرين.. أصبحوا في (حارات) عالية المقام.. بجدران محترمة.. لها هيبة الزمان والمكان. يطوف بنفسه.. يجد الجواب.. يأتي من الأعماق.. أنا ملح المكان.. وهذا المكان ملح حياتي.. هنا مكان الصبا والذكريات.. هنا كان اللقاء والزواج.. هنا كانت الذرية.. وهنا ودعت من أحب.. أيضا استقبلت من أحب.. في هذه الحارة كنت فتى الحي الجميل.. تهاوى المكان.. يراني كما أراه.. دعوني مع الحياة والمكان.. دعوها كما يريد لها هذا الحي أن تنتهي؟! فجأة تقدم احدهم.. قال : هل لديك شقة للإيجار؟!.. نظر إليه قائلا : نعم هناك شقة صغيرة في المقبرة.. هذا كل ما عندي.. حتى القبر ليس ملكي.. هو آخر هدية تقدم لي.. مكان للنوم السرمدي.. وبدون اجر.. ضحك الجميع.. علق احدهم : ليتنا نصبح جيراناً حتى في المقبرة.. رد آخر : ماذا ينفع؟!.. نريد دماء جديدة.. وخلقة جديدة.. تعوذ الجميع من الشيطان.. طلبوا الله في الجنة وحسن الختام. توقفت سيارة بجانبهم.. ترجل شاب يعرفهم.. سلم على الحاضرين.. طبع بعض القبل على جبين البعض.. سأل عن صحتهم.. سألوه عن أبي علي.. قال : يعطيكم عمره.. سألوه عن أبي احمد.. قال : يعطيكم عمره.. توقفت الأسئلة.. أفسحوا المجال للترحم والتهليل والتكبير. وسط ركام الدعاء والذكريات وصدمة التساؤلات.. قال احدهم : تفضلوا للقهوة.. رد احدهم : شكرا.. الخبز والفول برد يا أبا حمد.. قال : صحيح.. تفرقوا.. واصل المشوار.. فتح الباب بمفتاح صغير.. مربوط في سلسلة تتدلى من الجيب. سمعت وقع الخطى.. ثم صوتا عاليا يستنجد.. تعالت أصوات نسائية موجوعة.. هذا كل ما بقي في البيت.. خرج الجيران يركضون.. كانوا بنفس الخطى الثقيلة.. هذا ما بقي من فتية الحي. وضعوا أصابعهم المرتجفة على مفتاح صغير معلق بجانب الباب.. كان جرس البيت.. الباب مفتوح.. اندفع الجميع.. وصلت سيارة الإسعاف.. حملوه.. طرحوه على فراش قاس.. يصيح من الألم.. كسور في جسم منهك.. لم يستطع الزمن تحطيمه.. الآن أصبح في قبضته.. مرحلة متأخرة من العمر لا تقاوم. تجمع حوله نساء يبكين.. يصرخن.. بناته.. هذا ما بقي من حياته.. الرجال من الأبناء، حملهم التيار بعيدا عنهم. بقيت اسأل : من سيأتي بفطور الصباح وعشاء المساء؟!.. ذهبت مواصلا تفقهي في الشوارع.. ابحث عن مخرج مساعدة النساء على النهوض. تستمر المعاناة.. عندما يجف عطاء الرجال في مجتمع الرجال.. مجتمع الوصاية.. مجتمع مسارات لا تسمح ومسارات تسمح.. في مجتمع يقود الناس بعرف معلب لا يتغير.. ويطرحه كعلامة مميزة للحياة.. الكثير يسعى إلى تجنبه.. يفشل خوفا وليس قناعة. مع المشهد.. تذكرت نخوة الماضي البسيط.. وشهامة رجاله البسطاء.. فيه النشامى يكثرون.. يعولون كل قريب.. كجزء من الشيمة السائدة.. مجتمعات يقولون عنها تقليدية.. كانت سبّاقة إلى فعل الخير.. تحتضن الكثير من الصفات والخصائص الخيرة.. وتلك من أهمها. تغير المجتمع.. أصبحت هناك مظاهر لتقدمه الذي يدعون.. منها رفع شعار نفسي نفسي.. البعض لا يستطيع أن يعيل نفسه.. فهل يستطيع إعالة الآخرين.. وهذا الوضع، هل سألتم عن نتائجه على نساء البلد؟!bogaryaa@msn.com