محمد الحرز

تجربة دائمة التحول

أعتقد أن محمود درويش هو أهم شاعر أنجبته الثقافة العربية في القرن العشرين، وكلمة أهم تحمل دلالة مهمة في كونها تشير إلى أهمية هذه التجربة الشعرية على جميع المستويات: أولا، على المستوى الفني. ثانيا، على المستوى الإنساني. وثالثا، على مستوى مفهوم الالتزام بقضايا كبرى نوقشت في الشعرية العربية. انطلاقا من هذه الرؤية يبدو لي أن تجربة درويش منذ ولادة ديوانه الأول (عصافير بلا أجنحة) الذي لم يضمه إلى مجموعاته الكاملة إلى آخر مجموعة شعرية صدرت له بعد رحيله ( لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي) أصبحت تجربة تتسم بالتحول ولم تتوقف عند محطة واحدة. هذا التحول كان الحافز الحقيقي لانفتاح تجربته على روافد كثيرة جدا كما قال في أحد لقاءاته إن تجربته هي عبارة عن فسيفساء لشعراء كثيرين. هذه الميزة جعلت من تجربته دائمة التحول. هناك رافد آخر جعل من تجربته متحولة بطريقة أكثر فاعلية من غيره من الشعراء. هناك من يشير إلى أن التزام درويش بالقضية الفلسطينية جعل من تجربته مجذوبة إلى الجمهور وهذه كما يرى البعض إحدى المناطق الهشة في تجربة درويش باعتبار أن ارتباط الجمهور هو ارتباط يسقط في المباشرة والأيدلوجيا، ولكن في تصوري أن المعادلة الصعبة التي أمكن لتجربة درويش أن تتجاوزها هو أنه استطاع أن يخترق الذاكرة القرائية الشعبية ويرفعها إلى مصاف المخيلة الشعرية المحلقة؛ أي أنه لم يتنازل عن وعيه الشعري للجمهور بل إنه أخذ بيد الجمهور لوعيه الشعري. يقول درويش» أنا لم أكن عابرا في كلام المغنين/ كنت كلام المغنين».