محمد العلي

محمد العلي

السؤال عن معنى الحقيقة لا تجد له جوابا واحدا في أي حقل من حقول المعرفة ابتداء من الفلسفة وانتهاء بالثقافة الشفهية.هل الحقيقة تاريخية؟هل هي عنقاء؟هل هي سماوية أو أرضية؟لذا ليس بوسعك سوى أن تذعن لما تقوله الفلسفة من أن الحقيقة ذات ألوان فهناك حقيقة مطلقة ونسبية ومزدوجة وموضوعية.. وكل واحدة منها ترغمك على التساؤل.. مثلا: يعرفون المطلقة بالقول (هي التي لن تدحض مستقبلا مهما تطورت المعرفة) وهنا تقع في حيرة من أمرك.تحدث البلاغيون القدماء عن نوع من الحقيقة سموه (الحقيقة العقلية) وهي (مطابقة القول للاعتقاد بصرف النظر عن مطابقته للواقع) وهذه هي التي وجهت إليها السؤال/ العنوان: أين هي؟ماذا تعني مطابقة القول للاعتقاد؟إن معناها واضح يمكن أن نكرره بالقول: أي أننا لا نقول شيئا نعتقد خلافه.. فهل هذا هو ما نشاهده ونسمعه الآن؟ كلا، أبدا.دعنا من الازدواجية التي تحدثنا عنها في المقال السابق فهذا لا يدخل في مجال الازدواجية، لأنها تتم عفويا دون شعور المتكلم بأن له موقفا مخالفا في القول والعمل.. نحن هنا أمام متكلم يخالف اعتقاده بوعي وبقصد.. وهذا ما نشاهده في المنافقين والمنتفعين وذوي الأهداف المنحطة والسماسرة.. بل نجده في الطبقة السياسية وهي أعلى السلم الاجتماعي.. فما سبب ذلك يا ترى؟لا بد من تلمس هذه الظاهرة في تجلياتها كل على حدة فالخائف يقول ما لا يعتقد بالضرورة أو غالبا ولا بد من البحث عن سبب لذلك هو مثلا فقدان الحرية ولكن المنافق له سبب آخر هو انسحاقه الذاتي الذي قصده عمنا بقوله (من يهن يسهل الهوان عليه).أما الطبقة السياسية في كل زمان ومكان فهي سيدة هذه الظاهرة وأصبح اسمها مهارة ودبلوماسية وبلاغة وليست كما هي تضليلا.إلى ماذا يشير هذا؟بكل تأكيدات اللغة إنه يدل على خلل في الوجود الاجتماعي وفي النفس الفردية.. خذ مثلا: خوف المرؤوس من الرئيس.. لماذا نراه في بعض المجتمعات ولا نراه في مجتمعات أخرى؟ ألا يدل هذا على خلل اجتماعي ونفسي.. خلل في جوهر الثقافة وسلم القيم؟في الدول ذات القوانين الديمقراطية لا يرتجف المواطن حين يمر بجوار ساركوزي أو ميركل.. ولكن في عوالم أخرى يرتجف أي مواطن حين تلوح له صورة شرطي من شرطة الآداب.لكن إذا كان هذا له أسبابه المختلفة في كل فئة اجتماعية فإن وجوده في فئة الكتاب ليس له إلا سبب واحد هو الانحطاط المدمر لأنه ذو عدوى لمن يقرؤه.Mali@alyaum.com