محمد العلي
يقصد الحريري في مقاماته من هذا الاستفهام (كيف إلحامك؟) كيف نظمك للشعر؟ وهو المفهوم للشعرية آنذاك : ان تتجانس الكلمات تركيبا.. وبالطبع انا لا اقصد هذا المعنى.. اقصد كيف تجعل رأيك ملتحما بسلوكك.. وهذا اشبه بما يقصد في علم الاحياء من جعل الوحدة قائمة بين شيئين من لونين مختلفين.الفصل بين الرأي والسلوك له اسبابه الذاتية والموضوعية.. واهم الاسباب الذاتية هي (الازدواجية) التي توجد بين البشر بدرجات مختلفة.. ولها اسبابها كذلك.يعرف عالم الاجتماع الكبير الدكتور علي الوردي او انه يشرح معنى الازدواجية فيقول : «ان ازدواج الشخصية هو ان يسلك الانسان سلوكا متناقضا، دون ان يشعر بهذا التناقض في سلوكه او يعترف به.. وهو ينشأ عن وقوع الانسان تحت تأثير نظامين متناقضين من القيم او المفاهيم.. فهو يتأثر بأحد النظامين تارة وبالآخر تارة أخرى.. الخ»الوردي لم يطرح مسألة الازدواجية بصورة تفصيلية في هذا الكتاب الذي بين يدي (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) كما هي عادته، مكتفيا بهذا التعريف الشارح وببعض الامثلة مثل اختلاف القيم الدينية عن قيم الواقع المعاش الذي تمر به المجتمعات البشرية.. غير ان هذا لا يكفي.. فهناك عشرات الروافد التي تجعل من الانسان كائنا ازدواجيا.. اهمها:1 ـ فترات التحولحيث يحتدم الصراع بين قيم العادة والتقليد وقيم يفرضها السير التاريخي وشروط الحياة السوية.وهذا ما نشاهده الآن على كل صعيد.. فنحن في هذه الفرضية لسنا متناقضين كافراد مقلد ومعاصر.. بل التناقض يمتد الى داخل كل فرد منا.. ويزيد هذا التناقض تفاقما حين نرتكب خطأ المقارنة بين واقعنا وواقع المجتمعات الأخرى.2 ـ ما يحيط بنا من نظام سياسي وقانوني.3 ـ ما يسببه القمع الاجتماعي.4 ـ ما تسببه مشاكل الحياة من اضطرابات نفسية. فالعاطل عن العمل وهو يحمل شهادة علمية حين تعضه الحاجة ويرى غيره يتقلب في الوظائف التي يشتهيها وفي النعيم.. كيف تراه ينظر الى سلم القيم سلم الحاضر والماضي والمستقبل.. هذا ان وصلت عيناه الى رؤية المستقبل.هل يمكن اختفاء الازدواجية؟نعم بشرط واحد هو:اختفاء الصراع بين القيم.وهل يمكن هذا؟نعم بشرط واحد هو: ولادة (نهاية التاريخ).وهل يمكن هذا؟اسأل هيجل واذا لم تفهم اجابته فاذهب الى فوكوياما بناء على قولهم : (اذا فاتك اللحم فعليك بشرب المرق).Mali@alyaum.com