محمد حمد الصويغ
يخالجني الظن أحيانا أن مواء القطط أو نقيق الضفادع أو نهيق أنكر الأصوات أفضل بكثير مما يعرض عبر عشرات القنوات المرئية من أداء سقيم تكاد ملامحه تختفي تماما في زحمة هذه الاستعراضات "البهلوانية" التي تصرف أنظار المتلقين عن صوت الأغنية وكلماتها ولحنها وتقودهم الى القدود المياسة والصدور العارية والسيقان المكتنزة بمعنى أن الصوت في واد بعيد كـ "بعد الأرض عن جو السماء" كما قال عنترة ولا علاقة له من قريب أو بعيد بما يدور مع لحن الأغنية "المفصل" على قياس هذه الرقصات المحبوكة وليس على قياس الكلمات التي لا تسمن هي الأخرى ولا تغني من جوع. عندما أرى ما يحــدث اليــوم للأغنيــة العربية من انتهاك صارخ عبر هذه "القفزات المجنونة" لا أملك الا الترحم على "الزمن الجميل" حينما كنا ننتظر أي جديد من موسيقار الأجيال وهو يشنف الآذان بصوته العبقري وألحانه الجميلة وكلمات أغانيه المنتقاة أو حينما نترقب حفلات "ثومة" الشهرية بفارغ الصبر وهي تغني لأساطين الشعراء الكبار بالفصحى والعامية فنزداد اعجابا وانبهارا باختياراتها الدقيقة قبل اعجابنا وانبهارنا بأدائها الرائع المتجدد أو حينما نلاحق حفلات العندليب الأسمر لنصغي بكل جوارحنا لصوته العذب وهو يدخل الى قلوبنا وعقولنا ونفوسنا دون استئذان بما يدفعني لترديد المقولة الذائعة الشهيرة "لا يصح الا الصحيح" فتلك الأعمال المبدعة لا تزال آثارها باقية حتى اليوم وستظل باقية الى آماد طويلة قادمة. أما تلك "الهرطقات" الفارغة من أي محتوى جميل فهي أشبه ما تكون بـ "زوبعة في فنجان" سرعان ما يزول بريقها "ان كان لها بريق" بعد عرضها مباشرة أو أثناء عرضها فهي آنية التأثير وليس فيها ما يجذب المتلقي ويشده اليها فأصواتها باهتة وكلماتها واهية وألحانها سقيمة وهي مسؤولة دون أدنى شك عن تسطيح أذواق شبابنا وخدش حيائهم والزج بهم في أحضان الغرائز واضاعة أوقاتهم في ترهات لا ترقى بمخيلاتهم ولا تهذب سلوكياتهم كما هو الحال مع المعطيات الغنائية القديمة المؤثرة في تفاصيل حياتنا وجزئياتها حتى وقتنا الحاضر والى أوقات قادمة غير قصيرة فهي تستمد رونقها وجمالها ونصاعتها من عمق أصالتها وتشبثها بقيم فنية راقية يبدو أن عقدها آخذ في الانفراط ان لم نقدم على انتشالها مما هي فيه من أوضاع سيئة لا تحسد عليها. قد يتشدق بعض المتشدقين حينما يدعون ظلما وبهتانا أن "روح العصر" تقتضي انتشار تلك الأعمال المريضة الباهتة وأن "الرتم السريع" كما يقولون هو السائد في القرن الواحد والعشرين، غير أن "روح العصر" بريئة من تشدقاتهم وأقوالهم وتخرصاتهم اللامعقولة واللامنطقية، وما يبدو صحيحا وواضحا كوضوح خيوط الشمس في رابعة النهار أن التقنيات الحديثة التي أدخلت الى عالم الأغنية المعاصرة "الراقصة" بما فيها من مؤثرات ومحسنات للأصوات أدت الى ما يمكن تسميته "تجميل" الأداء الناشز وهو تجميل وقتي سرعان ما يكتشفه المتلقي فينصرف عنه وأدت في الوقت ذاته الى ظهور عشرات المطربين والمطربات أعدادهم "أكثر من الهم على القلب" لا يسعى "مخرجو" أعمالهم الا الترويج للرقصات المصاحبة لأغانيهم دون الاهتمام بأصواتهم لعلمهم يقينا أنها "تحصيل حاصل" وأن الاهتمام بالقدود والأرداف والسيقان هو الأهم في نظرهم.mhsuwaigh98@hotmail.com