مطلق العنزي

مطلق العنزي

رسالة هاتفية متطفلة اخترقت الأثير، ولا بد أن عشرات الآلاف من النسخ قد تكومت في هواتف عباد الله الآمنين وأدمغتهم، وفي «شغاف قلوب» بعضهم.الرسالة دعائية، كالعادة وكما هو متوقع، يستعد فيها «معبر الأحلام» أحدهم لتفسير كل «غثا المنامات». ولا بد أنه مستعد لتفسير «كافة أنواع الأحلام» و«ستجدون ما يسركم».. رغم أن الأحلام «السارة» نادرة بداهة في هذا العالم المشحون بالكوابيس، والمنغصات والنكد العميم.وفي قراءة للتاريخ يتضح أن الناس، في أقسى الظروف الضاغطة والملمات، يهرعون إلى مفسري الأحلام كي يجدوا السلوى بأن ظروفهم القاسية من حبك قوى شيطانية. وفي حال تمكن اليأس من الحلول العقلانية تكثر إحالة المشاكل إلى غيبيات وقوى خارقة للعادة مثل السحر والسحرة. وفي العصور الوسطى في أوروبا حينما هيمنت الكنيسة وعلقت المشانق ومحاكم التفتيش، وفشا الفساد المالي والخلقي في الكنائس والأديرة، كان تفسير الأحلام تجارة رائجة، وكان كل حادث يحال إلى سحر أو دسائس أو مؤامرات. وقد أعدمت 8 آلاف أمراة في أربع سنين في أوروبا بسبب اتهامهن بأعمال سحرية. (هذا عدا مذابح محاكم التفتيش في أسبانيا حيث ذبح عشرات الآلاف من المسلمين واليهود مع سقوط غرناطة آخر معقل عربي في الأندلس عام 1492م. وفاخر «ذوريتا» أمين محكمة التفتيش بأن محكمته أحرقت أربعة آلاف في إشبيلية وحدها).الآن الإنسان أكثر خوفاً وضعفاً، فهو محكوم بقوى لا يستطيع إزاءها سوى الانصياع. فالأزمة الاقتصادية والحروب والأنظمة وتسلط المتنفذين في مواقع العمل ومادية العلاقات بين الناس، كل ذلك يجعل الإنسان المعاصر أكثر حاجة إلى إحالة المشاكل إلى قوى شريرة وغير عقلانية.ويلاحظ ان المرأة هي الأكثر ملاحقة لمفسري الأحلام، لأنها تاريخياً هي الكائن الأضعف، وهي المستهدفة بالسوء منذ فجر التاريخ حتى اليوم.وتفسير الأحلام تجارة رابحة عبر العصور، لكن في عصر الفضائيات أصبح أكثر حضوراً وتأثيراً و«فنا» خاصاً، أثرى كثيرين. وكانت قنوات مفسري الأحلام تشهد إقبالاً لا نظير له، لأن المفسرين يبيعون «مخدرات» فكرية وأوهاما.. وشاهدنا أن معظم التفسير هو «يا أختي هذا عمل من شخص قريب منك»..! وهذا ما تريده السيدة و«يونسها».المعلمة تلاحق مفسري الأحلام لتعرف عما إذا كانت مديرتها أو زميلتها قد حبكت لها مكيدة. والمرأة تبحث إذا كانت أم زوجها أو أخته قد تسببت لها بمصائب. وعما إذا كانت جارتها «الحسود» قد أساءت إليها. والمراهقات يوددن أن يعرفن مستقبل حياتهن، ويشغلهن فتى الأحلام، عما إذا كان مثقفاً متفتحاً ثرياً وجميلاً.ورجال الأعمال يهرعون إلى معبري الأحلام لتفسير تقلبات الأسواق ومؤشرات الأسهم. واتجاهات الأسواق. فسمسار مخبول أو سكران في بورصة «وول ستريت» يمكن أن يرتكب حماقة قد تستجيب لها كل بورصات العالم، ويتسبب بخسائر طائلة لعشرات الآلاف من الناس.الإنسان ضعيف إزاء المشاكل التي تحيط به في كل مكان. وثورة الاتصالات جعلت المرء يعيش في أتون الملمات العالمية، وبذلك أصبح أكثر قلقاً وأكثر حساسية وأكثر توقاً أن يعرف مصيره وموقفه. وترامرأة تهرع..تحاصرها الخناجر.. والخوف..حكايات السبي المروعة، وفنون الرقيق الأبيض..سياجات الحدود ممسوسة بأنفاس الشياطين..وأضواء الملاهي سياط، إذ أصوات الكؤوس ألحان الجنائز، وابتسامات الغادرين.malanzi@alyaum.com