خليل الفزيع
الفن هو ذلك العطاء الإنساني الرائع، المعبر عن مشاعر وعواطف وأحاسيس الإنسان وموقفه من الجمال الذي يسره الخالق لعباده، وأتاح التمتع به لكل من أراد، وجاءت صيغ الفن وألوانه متعددة بتعدد مواهب ومشارب البشر.ونقصد الفن الرفيع، وليس الفن الرقيع الذي أضحت مهمة المنضوين تحت لوائه مخاطبة المشاعر البدائية لدى الإنسان، وإثارة غرائزه، وتشويه ذائقته الفنية، بالتدني في التعبير عن أرق وأنبل ما وهبه الله للإنسان، وهي مشاعره وأحاسيسه، وكأن مهمات الحياة التي صرفت الإنسان عن التعاطي مع الفنون الجميلة، لا تكفي ليتولى الفن الهابط البقية الباقية مما لدى الإنسان من ذائقة فنية جديرة بأن تنمى وتزهر لتضفي على الحياة شيئا من المتعة الروحية التي بدأت في الاضمحلال، نتيجة الجري وراء المال واللهاث المحموم للحاق بركب الأغنياء، ناسين أن مقسم الأرزاق هو رب العباد، الذي حث دينه على العمل والكسب الحلال، وحذر الذين يكنزون الذهب والفضة ناسين واجبهم تجاه أنفسهم، وتجاه غيرهم.وغياب الفنون الجميلة من حياتنا خلف هذه المشاعر الحادة والمواقف المتصلبة والعنف ومصادرة الرأي الآخر وجفاف العلاقة مع من حولنا والرفض لكل ما هو جميل ورائع في الحياة، حتى مع من تربطنا بهم صلة رحم، لأن كثيراً من الصفات التي تتركها الفنون الجميلة في النفوس لا وجود لها في قاموس حياتنا. في السابق كانت المدارس على اختلاف مراحلها تختتم عامها الدراسي بحفل تقدم فيه المسرحيات وتقام فيه المعارض وينشد المنشدون، وتقدم فيه الهدايا للمتفوقين، هذا التقليد الجميل الشبيه بالمهرجان الفني أقول إن هذا التقليد الجميل قد اختفى من حياتنا الدراسية، وبالتالي من حياتنا العامة، ليخلف الفراغ والانصراف إلى ما تقدمه شركات الإنتاج الفني من أغانٍ يخجل الخجل من سماعها، فجفت الطباع، وغرقت بعض النفوس في الكآبة بعد أن فقدت الفرح بأي نوع من أنواع الفنون الجميلة، فلماذا هذا التراجع في الاهتمام بهذه الفنون؟ ولماذا تحارب ما دام بالإمكان توظيفها لخدمة الأهداف السامية للأمة في صراعها الدائم وصدامها الدامي مع أعدائها؟أعود مرة ومرات للقول أن ما يقدم على الساحة الفنية من أغانٍ خليعة، ومسرحيات هابطة، وأفلام متدنية الإنتاج، كل هذه التشكيلة العجيبة مما يسمى بالفنون، لا تمثل الفن الرفيع والراقي، المجسد بصدق للأحاسيس والمشاعر والعواطف النبيلة، وغيرها مما يعتمل في النفس البشرية، حتى ينفس عن مخزون همومها، ويشذب ما شذ من طباعها وينقل صورة حقيقية عن منجزها الإنساني على المستوى الحضاري الشامل، وما زلنا نقرأ دوما عن حالات شفي فيها بعض المرضى النفسيين، بواسطة نوع من أنواع هذه الفنون الجميلة.غياب معاهد الفنون الجميلة من مسرح وموسيقى وفنون تشكيلية وغيرها، إنما يدفع الكثيرين من أصحاب المواهب في هذه المجالات للسفر إلى الخارج للالتحاق بمثل هذه المعاهد، بمعنى إن عدم افتتاح مثل هذه المعاهد لن يمنع أصحاب المواهب من المضي في تنمية مواهبهم وصقلها بالدراسة وإن كان ذلك خارج البلاد، ومن باب أولى أن يكون تعليمهم في بلادهم، ووفق المناهج الوطنية التي تراعي ما لا يراعى خارج البلاد، من أمور لا يجهلها أحد، والبلاد التي تعلم أبناءها الفنون الجميلة كما تعلمهم كيف يمارسون حياتهم، لم تتخلف عن ركب الحضارة، بل إن بعضها من هو في المقدمة فليس من معوقات التنمية أن يزداد اهتمامنا بالفنون الجميلة بل إن ذلك من عوامل بناء الإنسان السوي وهو عماد التنمية وأداتها وهدفها أولا وأخيرا.الفنون الجميلة مصطلح لم يأت من فراغ، فهي جميلة في أدواتها وأدائها وأهدافها وغاياتها، ومن منا لا يحب الجمال بجميع ألوانه وأشكاله؟وهذا ما يدفعنا للسؤال:غياب الفنون الجميلة لماذا؟khalfizaia@alyaum.com