محمد العلي
فتح مبدأ النسبية الباب واسعا أمام إعادة التفكير في (المعرفة) من حيث بطلان ادعائها الصواب المطلق أو الخطأ المطلق في فكرة أو مقولة ما.. لأن هذا الادعاء يتجاهل، بل ينكر «أن الحقيقة تاريخية» بمعنى أنها خاصة بكل مرحلة زمنية من مراحل التاريخ .. وأنها تتغير بتغيُّر المرحلة.. فالخير والشر يتبادلان المواقع حسب الزمان والمكان. لا أحد الآن ينكر فعل التاريخ في التغيير، ولكن بعض مفكرينا وكتابنا انزلق إلى أبعد من هذا.. انزلق إلى ما تدَّعيه حركة ما يسمى (ما بعد الحداثة) من انهيار الفاصل بين الثنائيات الضدية .. وهو انهيار يوصلنا إلى (العدمية النظرية) كما يعبّر أحد نقاد محمد أركون ـ وما أكثرهم ـ والذي ينقل عن محمد أركون النص التالي:«وقد استمر العقل الحديث قبل مجيء ماركس ونيتشه وفرويد في استغلال تلك المزدوجات الثنائية الضدية التي طالما استغلها الفكر القروسطي حتى شبع منها .. اقصد بذلك المزدوجات التالية خير/ شر، صحيح/ خاطئ، جميل/ قبيح، مادي/ روحاني، (....) لم يكتف العقل الحديث بهذا الإرث القروسطي بل أضاف إليه متضادات أخرى: تاريخي/ اسطوري، مقدس/ دنيوي، روحي/ زمني.. إلخ». النص الأركوني هذا يملأ القارئ رعبا، لأنه محو للفرق بين الاضداد.. فلا فرق عنده بين المعقول واللا معقول.. لا فرق بين الحقيقة التي تثبتها التجربة العلمية وبين الأسطورة.. وهذا معناه أن جميع الطرق المتعاكسة تفضي إلى شيء واحد ما دامت تتسع للمشي وكأن اهداف البشرية كلها اصبحت (روما) ثانية.. هذا التصور الأعمى الذي يفترض انقراض الأضداد أو تآخيها ناشئ من الخلط بين القيمة وبين المفهوم ونسيان الفرق بينهما .. ان القيمة لا تتغير فالشر لن يخلع أنيابه ويصبح حمامة بيضاء وكذلك هو الخير لن يفتح عينيه صباحا أمام المرآة واذا به قد اصبح وحشا.... التاريخ يغيّر المفهوم لا القيمة..... لماذا؟لأن القيمة نابعة من حاجات الذات البشرية ومصلحتها أما المفهوم فهو ناتج عن نمو المعرفة وازدهار الحضارة وتجدد قوانينها.لنضرب مثلا:تطور القانون ظاهرة بشرية في جميع الحضارات وقد ولد القانون كمدونات في بابل (2100 ق.م) وان كان موجودا قبل ذلك بشكل أعراف ثم جاءت شريعة حمورابي الذي زعم أن الآلهة أعطته إياها.. وانبثقت القوانين كمدونات في حضارة الصين والهند واليونان.. وكانت الإضافة اليونانية لتطور القانون هي الإيمان بالقدرة البشرية على وضع القوانين إلى جانب الآلهة.. ومن هنا بزغت الديمقراطية اليونانية. لقد كانت (العبودية) مشروعة في جميع الحضارات حتى في الديمقراطية اليونانية.. بل إن فيلسوفا بقامة سقراط يقول: إن العبد خلق ناقصا ليبقى عبدا.. ولكنها الآن أصبحت شرا بعد إن كانت خيرا.. وقد أوقف الخليفة عمر (رضي الله عنه) عام الرمادة حد السرقة.. لأن مفهوم السرقة آنذاك قد تغيّر وفق الحاجة البشرية.. وهكذا تبدل مفهوم الديمقراطية منذ القرن الثامن عشر.. أما الحاجة إليها وهي (القيمة) فقد بقيت في اتساع دائم.mali@alyaum.com