محمد العلي
قال لي محتشدا بالغضب : إنني أحسد كرة القدم.. فضحكت حتى قدميّ اللتين لم تلامسا كرة القدم في حياتهما، وسألته، وسيل الضحك يصارعني: لماذا؟ هل تحسدها على ان الاقدام تركلها بدون رحمة.. ام لانها كثيرا ما تشهر شجاعتها فترفض ان تصطادها الشباك.. ام على غفلتها، فهي لا تدري كم من الاموال تصرف حتى تكون رهن (السمع والطاعة) لفريق دون فريق؟قال وهو في احتشاده الغاضب المتصاعد : لا هذا ولا ذاك انني احسدها، على حبي لها، لتمتعها بأشياء عديدة لا نملك انا وامثالي الحلم بمثلها.هل تذكر لي شيئا منها ؟اولا: هي تتمتع بالقانون الواضح الذي لا يتناطح حوله بعيران، فركلها محدد بمسافة ودخولها في الشباك او رفضها محدد بقانون.. وحريتها مصانة ان ارادت الدخول في الشباك بارادتها، وكذلك رفضها بارادتها كذلك.. وهذا القانون لا نتمتع به انا وامثالي.ثانيا: هي لا تظلم احدا على الاطلاق فتعطي كل فرد حسب مهارته.. انها مثل اللغة تماما.. فاللغة لا تتواطأ مع شاعر دون شاعر آخر، بل تعطي قيادها لهذا لمهارته وتحرم منه ذاك لفشله في امتطائها.. وانا وامثالي لا نتمتع بمثل هذا العدل : فرب فاشل تراه وقد احتل أعلى المناصب ورب عبقري تراه وقد ذهبت نفسه حسرات.ثالثا : هي لا تعرف كلمة واسطة، لا الواضحة مثل التوصيات ولا المعجمة مثل الرشوة التي صبغها الرأسمال فاصبحت تسمى عمولة او هدية.. اما انا وامثالي فانت اعلم بحالنا.رابعا : هي ملهاة عارية للشباب، فهي تستنزف ما يكنزون من طاقة وحماسة وتصرفهم عن التفكير في غير القدمين.. ولهذا اصبحت الآن اداة فاعلة بيد بعض القوى والحكومات حتى تبقي الشباب في ميدان الكرة فقط دون سائر الميادين (تذكر ما جرى بعد مباراة مصر والجزائر الاخيرة) وبهذا تكون للكرة الصدارة في الاهتمام والاعلام ورفعة المقام.. اما انا وامثالي فنركل على الرؤوس لاننا لا نريد حصر اهتمام الشباب في ميدان واحد.خامسا : ما تدره الكرة على مفكرها او شاعرها القدميين من شهرة ومال ورعاية يعادل ما تدره رؤوس الفلاسفة وقرائح الشعراء وفي بلد من بلداننا العربية الاصيلة.. اما انا وامثالي فكل منا يقول ما يقوله الاستاذ ثامر الميمان : رزقي على الله.قلت له، وعلى وجهي سخرية محجبة : قد اوافقك على الاربعة التي ذكرتها اولا.. اما الخامس فأرى انه غير صحيح، فالمبدعون في بلداننا يحثى على رؤوسهم الاحترام حثوا.قال ضاحكا : انت مغفل.. هل شاهدت الاشرطة التي تصور اخراج الثبيتي من مشفاه.. هل شاهدت لون الاذلال الاصفر لقامة ابداعية شاهقة مثل ذلك الاذلال؟ قل بالله : لو كان مكان الثبيتي (دعيع ما) هل كان يجرؤ احد ان يخرجه من المستشفى .. هل تتخيل ان عائلته لا تملك اجرة نقله الى بيته؟ هل كان يضر القناة الثقافية ان تقدم للثبيتي ما يصرف على برنامج واحد؟ هل كان يحدث للثبيتي ما حدث لو أن للأدباء نقابة؟mali@alyaum.com