محمد العلي

محمد العلي

كيف يصبح المفهوم سلوكا؟هذا هو السؤال الذي أرّق ويؤرق كل فرد أو مجموعة تنشد التغيير.. ذلك لأن المسافة بين المفهوم والسلوك مسافة مترامية: فالمفهوم ذو طبيعة متطورة بحكم صيرورة التاريخ وإضاءة المعرفة ونموها.. في حين أن السلوك ذو طبيعة تجنح إلى الاستقرار بحكم الوراثة والعادات والغرض الاجتماعي .. ولا قيمة، لا فعل، لا معنى .. لأي مفهوم إذا لم يتحول إلى سلوك.. أي لا قيمة للفكرة إذا لم تصبح قوة مادية، كما هو التعبير الماركسي .. وهي لا تكون كذلك إلا إذا تحوّلت إلى سلوك.تحوّل المفهوم إلى سلوك له شروطه: منها أن تكون السرعة بينهما متقاربة، وهذا معناه أن الأرنب والسلحفاة قد خلع كل منهما نصف طبيعته.. ولكن هذا إن كان مستحيلا في عالم الحيوان فهو ممكن في عالم الإنسان.. وذلك بأن يكون الوعي بالمفهوم وعيا كاملا والشعور بالحاجة إليه شعورا جارفا وشاملا لفئة من الناس، يشار اليها بالبنان، كما يقول القدماء، ولكن لا لرفعتها العازلة، بل للإحساس العام بأنها تعمل لصالح الجميع.لنضرب مثلا:الوطن مفهوم تطور بسرعة مذهلة فهو لم يعد اشتراكا في التاريخ والجغرافيا المحددين وحسب، بل أصبح انتماء. والانتماء هنا معناه الترابط الإنساني.. معناه كما قال احد المتصوفة (أن تقول للآخر: يا أنا) فهل وصل السلوك الاجتماعي إلى هذا المستوى؟ وضمن التاريخ والجغرافيا المحددين؟ نعم إلى هذا فقط دون أن نطمح إلى رؤية الإنسان كإنسان دون حدود؟ترى ما هي مواقع تحوّل المفهوم إلى سلوك؟المواقع هذه كثيرة ولابد أن نقول: إنها داخلية وخارجية معا.. وكلاهما لمن أعطى نظرته قليلا من الامتداد، واضح تماما فالخارجية تأتي من أن بعض المفاهيم تولدت عبر مخاضات طويلة في حضارة متقدمة.. ونحن نريد أن نتلقف هذه المفاهيم دون المرور بمثل تلك المخاضات، نأخذها جاهزة ونطبقها قسرا على واقعنا الذهني والسلوكي.. وهذا دونه القتاد كله.خذ ـ مثلا ـ مفهوم الحرية الذي لا تكتمل إنسانية الإنسان إلا به.. ولننظر إلى القفزات التي أنجزها هذا المفهوم .. ثم نسأل: هل مرت علينا هذه القفزات؟ إننا لا نعرف من الحرية إلا ما نقرؤه في صفحات نعي الموتى في كل صحفنا العربية.. وهذا ليس ذنب المفهوم ولا ذنب الحضارة التي أنجبته.. انه ذنبنا نحن الذين نريد نمرا من خشب مسندة أو من قبور الموتى.. بدون أي جهد أو عمل. أما الموانع الداخلية فـ (عد واغلط) وأولها الديماغوجية التي تغرقنا من الرأس إلى القدم، بالإضافة إلى ذلك الذي يشد أزرها بزئيره المتواصل.. اعني بذلك الاستبداد.. وأشده شراسة الاستبداد الاجتماعي.. هل تتصور تجاوز كل هذه الموانع؟نعم يمكن وذلك بما قلناه اولا من الوعي الشامل والجهد المتصاعد وجعل اكتمال الإنسان هو الهدف.Mali@alyaum.com