مطلق العنزي

مطلق العنزي

جامعة الملك فيصل في الأحساء، قصة «درامية» طويلة، اختلطت فيها فصول طموح وإثارة وأحلام وآمال، وقنوط، ابتداء من مرسوم التأسيس في 28 رجب 1395هـ. فقد أسست لتحمل اسم الملك فيصل بن عبدالعزيز الذي اغتالته يد آثمة قبل تأسيس الجامعة بثلاثة أشهر فقط. وكان اغتيال الزعيم الخالد، صدمة لكل مواطن سعودي ولكل عربي ومسلم ولزعماء عالميين احترموا في الفيصل الزعامة المخلصة التي تتجلى فيها عبقرية الإدارة السياسية والتعامل مع الأحداث وتوجيهها.تأسست الجامعة وكانت واحدة من سطور التخليد لهذا الزعيم الفذ. ولكن بعد انخفاض أسعار البترول وتقلص الإنفاق والتقشف الحكومي، أصيبت الجامعات بنزلات حادة، وكانت جامعة الملك فيصل أكثرها توعكاً، إضافة إلى أنها لم توفق لسنوات بمديرين يرقون إلى مستوى التحدي. ويبدو أن المديرين كانوا يودون أن ينجوا بجلودهم من سياط الألسن التي لا ترحم، ولا يودون أن يكونوا مديرين لهذه الجامعة التي يمكن القول أنها كانت فقط «تتنفس»، وتوجد لوحة تذكر الناس بوجود جامعة وكليات ومستشفى تعمل بأقل ما يمكن من الموارد. ولكن الدكتور يوسف الجندان قبل التحدي، واستطاع أن يسير الأمور بما يتيسر وبدعوات الصالحين. منها أنه وجد الموظفين في الأحساء محاصرين و«مجمدين» في الواحة. لا يمكنهم الترقي لأنه لا توجد بنود انتداب إلى الدمام، كي يلتحقوا بمعهد الإدارة بدورات تتطلبها الترقيات، ومع ذلك وجد حلاً قصرياً لتلك الأزمة المؤرقة. وإذا كانت تلك حال الموظفين «العاملين عليها»، فكيف هي حال المرافق؟..ـ لا تسأل.وكان على الدكتور الجندان أن يحمل أكثر من سيف، ويلبس أكثر من درع، وأن يتعلم فنون الحرب على جبهات عديدة: بيروقراطية الخدمة المدنية، وتقتير وزارة المالية، ومطالب هيئة التدريس، والمثل الأكاديمية، وآلاف الطلاب، بينهم مئات مميزون، لا يجدون أماكن لهم، وصراع الواسطات. وكابدت الجامعة، بصفة خاصة، ومديرها، ظروفاً أكثر تعقيداً من أية جامعة أخرى لأسباب كثيرة، أهمها أن الجامعة لم تحظ بـ«تدليل» كانت تمنحه وزارة المالية لجامعات أخرى. ولكن جاء الفرج بزيادة أسعار النفط، ووجود فوائض في الميزانية، فاغتنمت الجامعة الفرصة كي تجدد نفسها، إلى درجة إعادة تأسيس المرافق والتوسع في الأداء الأكاديمي والبحثي.في الأسبوع قبل الماضي زرت الجامعة مع زملاء آخرين في «اليوم»، وكانت المناسبة أن الجامعة ومديرها يحتفلون ببزوغ فجر جديد، «مدينة جامعية» تشيد الآن في مقر الجامعة في الأحساء. وتمثل المدينة نقلة نوعية، ستداوي الجراح والآلام وليالي الحيرة والسهد. الجامعة الآن تعيد شبابها وتبدأ نهوضاً جديداً بمثابرة مديرها الذي أثمر صبره وجهده وإخلاصه مع مساعديه الذين الآن يفاخرون بالجامعة ومراكزها البحثية وكلياتها الجديدة ومبانيها الحديثة.صبرتم آل «الفيصل» فموعدكم هذا الصباح الجميل الثري بالتألق. ولتهنأوا، الآن تفتحون نوافذ الواحة الخضراء إلى عناق الغد البهي بجهودكم وعطائكم. وترالواحة الآن تتألق.. وتمد يدها إلى الصباح..من صباحات يبرين إلى مواويل أمواج العقير، تشدو أغصان الخزامى وتلال البرقاء. إذ تعيد نسج المساءات، موشاة بومض أقمار الصمان الجنوبي. وإذ السرى يتسامرون بحكايات بنت المكفف، وأساطير نهر محلم بينما تنغرس أقدامهم بملال عروق البروز وحمض حرض.malanzi@alyaum.com