عبدالله اللحيدان
• يقول سبحانه: (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) ويقول تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون) وإن من اعظم انواع الفقد على النفوس وقعا، وأشده على الأمة أثرا، فقد العلماء الربانيين، والائمة المصلحين، وقد قال رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى اذا لم يترك عالما اتخذ الناس ورؤساء جهالا. فسئلوا فافتوا بغير علم، فضلّوا وأضلوا) متفق عليه. ومن هنا كان موت العلماء مصيبة لا تعدلها مصيبة وإذ قد فجعنا بموت العلامة عبدالله بن غديان أحد الرعيل الأول من العلماء الربانيين قد عرفه الناس بعلمه المستقى من الكتاب وصحيح السنة، ولقد شرفت بأول لقاء به -رحمه الله- في مسجد دار الافتاء قبل ما يقارب الثلاثين عاما مضت ،فشدني تبسطه معي واستقباله لي وسؤاله عني وفرحه بي لمّا عرف أني متعيّن جديد من دعاة مركز الدعوة والإرشاد بالدمام.• تعددت اللقاءات وختمت بلقاء به -رحمه الله- في آخر زيارة له للمنطقة الشرقية وما وجدت فرقا بين لقاء أول ولقاء أخير مما يدل على ثبات العلماء الصادقين على ما التزموه من منهج مستقى من تقفّيهم لما ورثوه من معين النبوة ، تمشي جواره وتتجاوز من امتلأت عباءاتهم بأجسام خاوية وعقول فارغة و هو -رحمه الله- مع كونه شيخا في الفقه وأصوله ،فهو كذلك شيخ في التواضع ،تراه يسير وكأنه من عامة الناس، كنت انتظره -رحمه الله- في بهو الفندق إذ قيل لنا قبل صعودنا إليه إنه قد خرج من الغرفة متجها لنا في المصعد فخشينا مخالفته في المصاعد ثم فوجئت به -رحمه الله -يخرج وليس معه أحد ،فقلت لمن معي هذا الشيخ قد وصل، فقال لي مستغربا أين هو؟! فأشرت فمن خرج من المصعد فرأيت الدهشة تغمره ،أهذا العالم الذي نسمع بهذه الهيئة البسيطة، أين وأين وأين ؟! فالتفت له وأنا مقبل على الشيخ قائلا: هكذا هم العلماء ،فأين صغار طلبة العلم من تواضع كبار العلماء على عظم قدرهم؟! • الشيخ -رحمه الله -على منزلته الرفيعة تجده طيب المعشر خفيف النفس يعطي محدثه مساحة من الترويح والطرفة ما يذهب عنه ما قد يلاحظه الشيخ عنده من الرهبة، ومما يؤثر عن الشيخ -رحمه الله- استقصاؤه لتفاصيل يطلبها ممن يستفتيه قبل أن يفتيه، وتكراره لما يسمعه من طلب فتوى بإعادة السؤال لتتحرر المسألة في ذهنه ووعي تفاصيلها بإعادة إلقائها ،وكل ذلك من التثبت المطلوب والتروي المرغوب، فليتنا نعي لنتمهل ونتمهل ونحن الصغار أمام الكبار.•إننا إذ نعزي أنفسنا والأمة بفقده -رحمه الله -فإن من حسن العزاء عند فقد العلماء أن الله -سبحانه -حافظ دينه مبقٍ شريعته بمنّه وكرمه ،كما قال رسوله الكريم- صلى الله عليه و سلم- (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأ تي أمر الله وهم على ذلك). كما أن من حسن العزاء أن ما خلفه هؤلاء العلماء -رحمهم الله- من علوم ومآثر وتلاميذ، كفيل بإذن الله ببقاء ذكرهم حيّاً بين الناس ليستمر حقهم علينا بالدعاء والثناء والتعلّم والاقتداء، وكأنهم باقون بيننا، فاللهم ارحم الشيخ عبدالله بن غديان برحمتك ،اللهم أجزهِ عن الأمة خير الجزاء وأخلفنا فيه خيرا ،وأخلفه فينا خيرا، يا رب العالمين!! اللهم إنه في ذمتك وجوارك فجُد عليه بعفوك وإكرامك وجودك وإحسانك ،وأغفر له وإرحمه ،إنك أنت الغفور الرحيم ،اللهم أبدله داراً خيراً من داره وأهلا خيرا من أهله وأغسله بالماء والثلج و البرد ونقّه من الذنوب والخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض من الدنس ،اللهم وجازهِ بالحسنات إحسانا وبالسيئات عفواً وغفرانا، يا أرحم الراحمين ،اللهم وموتانا وموتى المسلمين.