مطلق العنزي
حينما ينحشر المرء في غرفة ضيقة مع آخرين، يكون مد الأرجل نوعاً من «رفاهية».ولو جرب أن يمد رجليه أو إحداهما، سترفسها الأرجل الطويلة الغليظة بتهمة الاعتداء على حريتها و«متعتها»، وسيجد أرجلا «ملساء» نحيلة أيضاً تتمدد متسللة بين الأرجل.هذه صورة مصغرة لصراعات الدنيا وفنون الحياة..الناس «يترافسون» في كل مكان.والغريب، وليس عجيباً، أن أكثر الذين يجيدون الرفس هم المتعلمون.!.بمعنى رفس «خمسة نجوم»، أبطاله علية المتعلمين ونقباؤهم. وليس رفس «دهماء» أو «سوقة» كما هو التصنيف التراثي للناس. حينما تحضر المصالح، تشتعل «حمى» الأطماع والأنانيات..ببساطة، يعود الناس إلى سيرتهم الأولى.. يعني «شغل حيوانات».(!)، لا رقي ولا جامعات ولا ما يحزنون..!ويصبح لا فرق بين خريج الجامعة وبين ماسحي مكتبه الزجاجي الفاخر.وعلى الأرجح أن يترفع ماسحو الزجاج الأميون عن «حماقات» سيدهم العصرية.ويتساءل المرء: لماذا يتعلم «بعض» الناس، ما دام أن علمه لم يسم به عن عشوائية البدائيات؟وبعض المتعلمين مكنه علمه أن يكون أكثر عبقرية في صناعة الدونيات ونسجها.ومع الأسف فإن هذه العبقرية المقيتة، تفصح عن نفسها في أماكن كثيرة ومكاتب وثيرة كثيرة، وفي مجالات متعددة، ويكابد عنتها أغلب الناس من كلكتا المهمومة بدموع الفقراء، إلى نيوأورليانز المسبية المحزونة بالأعاصير، مروراً بمدن الغبار والملح والنجوع الموبوءة بكبرياء الوجع والأحزان المديدة.يترافس الناس في السوق، والمكاتب، والشوارع والمتاجر، والمنازل، وغرف النوم.ويمضون حياتهم في معركة حيوانية لا تنتهي.. ولا أحد يبدو ينجو من معارك الرفس إلا من رحم ربك. ومن يرحم ربك تحت التراب. بل حتى الموتى لا يرحمهم الأحياء، ويستمرون في لوك سمعتهم وذكر سوءاتهم مع أنهم بين يدي رب كريم واسع الرحمة والمغفرة.وهذا يدل على أن السلوكيات والأخلاقيات تبقى مسألة تربوية، تتشكل جذورها منذ الصغر، والتعليم يعطي للمرء إمكانات جديدة، ولكن الأخلاقيات مسألة أخرى، وحتى وإن كانت هيبة التعليم تفرض أن يتمتع المرء بسمو خاص، لكن مع الأسف، أكثر المدلسين هم من المتعلمين. مما يعني أن الشهادة درجة علمية، وليست شهادة في السلوك والشهامة. وترإذ وهاد البوح تعج بالغرباء الجدد..القادمون من طرف الدنيا، وضواحي الطمع ينتهبون طهر الأرض.وأعشاب القيصوم تعصر أحزانها، إذ يهجر الصحب صمانهم، ويعبرون الدهناء، ميممين الشواطيء ومدن الملح، حيث تتعاطى الكائنات الليلية مساءاتها الملونة بنكهة النيون وفتون الزجاج.malanzi@alyaum.com