محمد الصويغ
إنشاء المدن الفاضلة الخالية تماما من المجرمين والأشرار والخارجين عن القانون فكرة خامرت أذهان فلاسفة اليونان القدماء، لكنها سرعان ماوئدت في مهدها ولم تطبق على أرض الواقع بحكم أن نسبة الخير في حالة ارتفاعها أو انخفاضها في أي مجتمع بشري يقابلها بالضرورة نسبة من الشر قد ترتفع هي الأخرى أو تنخفض وفقا لوسائل محاصرتها ولا أقول التخلص منها بشكل نهائي وحاسم. فالجريمة بكل أشكالها ومسمياتها وصورها المختلفة منذ ظهورها لأول مرة بين البشر، حينما احتدم الصراع الدموي بين هابيل وقابيل وهي سارية المفعول بين صفوفهم حتى اليوم. وما أردت بهذه الديباجة العجلى إلا الولوج الى بيت القصيد. فالعبد الفقير الى وجه ربه يقرأ بين الفينة والأخرى عبر ما تنشره إصداراتنا المحلية اليومية أخبارا عن مشعوذ تمكن بـ " فهلوته " من الضحك على ذقون البسطاء من المواطنين فسلب من جيوبهم أموالا طائلة. وعن دجال تمكن بسحره من الحاق الضرر بخلق الله.. وعن آخر قبض عليه وهو يمارس الدعارة .. وعن آخر اكتشفت السلطات الأمنية أنه يدير وكرا لممارسة القمار .. وعن آخر قبض عليه وهو يدير معملا لصناعة الخمور .. وغيرها من الجرائم المخلة بالأنظمة الشرعية والأخلاقية بما يؤكد أن انشاء المدن الفاضلة التي أتيت على ذكرها في صدر هذه الزاوية لم تكن إلا وهما عابرا لم يتجاوز عقول المنادين به. ونحمد الله أن بلادنا الآمنة المستقرة بفضل عزم وحزم قياداتها الرشيدة على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية السمحة لا تزال نسبة الجرائم فيها من أقل النسب المعلنة دوليا غير أنها لا تخلو تماما من ممارسات اجرامية تظهر بين حين وحين تنشرها وسائل الإعلام المقروءة على وجه التحديد بطريقة اخبارية "مقتضبة " أي أنها تنشر دائما دون ذكر أسماء أصحابها ونشر صورهم ودون نشر صور الأدوات التي استخدمت أثناء تنفيذ الجريمة ودون نشر صور الأماكن التي حدثت تفاصيل الجريمة فيها، وعدم التشهير بأولئك المجرمين الخارجين عن القانون لا يصب في روافد التقليل من انتشار الجريمة ولا يصب أيضا في روافد ردع من تسول لهم نفوسهم الامارة بالسوء محاولة الانغماس في بؤر الجريمة ومستنقعاتها. صحيح أن الجهات الأمنية المختصة تضرب بيد من حديد على أولئك المارقين العابثين بأمن البلاد والعباد غير أنني أظن ظنا لا يخامره الشك أن التشهير بالمجرمين عبر وسائل الإعلام هو خير عقاب رادع لأمثالهم ولمن تسول لهم نفوسهم ارتكاب أي شكل من أشكال الجريمة. وصحيح أن المحاكم الشرعية تنزل بأولئك المجرمين العقوبات المناسبة لما ارتكبته أياديهم من آثام كعقوبة السجن أو عقوبة الغرامات المالية أو غيرهما من العقوبات غير أنني أزعم في ذات الوقت أن التشهير بأولئك المجرمين إعلاميا من خلال نشر أسمائهم وصورهم هو عقاب آخر لاتقل أهميته عن العقوبات التي تتخذ في حق أولئك المجرمين. mhsuwaigh98@hotmail.com