محمد العلي
هل هناك قيمة او مفهوم او معنى يوجد خارج التاريخ؟ كل الذين درسوا نشوء القيم والمفاهيم واسباب ذلك النشوء.. على يقين من تدخل التاريخ في ذلك، وقد عده احد مفكرينا المعاصرين العنصر (المهيمن) في نشوء المعنى لكل شيء.. أي ان كل المعاني التي نؤمن بها والتي تؤثر في سلوكنا هي معان تاريخية.ما معنى هذا؟معناه ان التاريخ لا يتوقف.. انه لا يطمئن الى معنى اسبغ عليه الولادة وتوهم فيه الكمال.. بل انه بالغ القسوة، فهو حين يبني معنى يعود اليه بغلظة ليضعه تحت قدمه.. انه يسحقه ليتولد منه معنى جديد اكثر صفاء واشراقا.هنا يكون معنى (الخسوف) متكررا تماما كما يحدث في عالم الاقمار الحسي.. فكل معنى جديد لابد ان يكون متأهبا لخسوف جديد.. وهكذا يتطور الانسان معرفيا ووجدانيا وتكون آفاقه في اتساع دائم.لننظر مليا الى هذا الهادم الباني اللامرئي والذي نسميه التاريخ لنشاهد ان كل جيل، منذ بدأ العقل البشري يحبو حتى اشتد عوده واستوى يختلف ـ اذا كان المجتمع متحركا ـ عن الجيل الذي سبقه في تفسير الاشياء وفهمها وفي قيم السلوك الاخلاقية وفي العلاقات الاقتصادية وطرق التفكير.. وهذا يعني اختلاف معاني الجيل عن معاني ما سبقه من اجيال اسبغ عليها التاريخ في تطوره نعمة الخسوف.هناك معنى واحد، واحد فقط، لا يستطيع التاريخ هدمه وهو (معنى الانسان) فالتاريخ، حتى الان، وسيبقى عاجزا عن اكتشافه بصورة كاملة.. ولذلك فهو لا يستطيع هدمه. يقول سوفوكليس: «هناك عجائب كثيرة في هذا الكون، ولكن لا شيء اعجب من الانسان». هل توافق سوفوكليس (496 ـ 405 ق.م)؟الذين قرأوا مأساة (اوديب) لاشك في انهم يوافقونه.. فهي تعبر عن صراع الانسان مع القوى المتربصة به. وقد وظفت في الادب الحديث توظيفا يتلاءم والحديث عن خسوف المعنى.ان (قتل الاب) الوارد في المأساة يعني في المفهوم الحاضر، الصراع بين القديم والجديد أي محو اللاحق للسابق او بتعبير اخر خسوف الماضي امام بزوغ الحاضر.. والذي يصنع هذا هو الانسان.. الانسان الذي لا يعرف معناه الخسوف.نحن نعرف ان الخير والشر في صراع دائم. ولكن هل نراهما حسيا كما نرى المصارعين في التلفزيون؟.. كلا.. هما موجودان اخلاقيا والذي يصنعهما هو الانسان.. وهو لايزال يهذب من صراعهما معاني كل المجالات الاجتماعية ابتداء من الجهل والعلم والغنى والفقر حتى الأماني والطموحات مشروعة وغير مشروعة.. ومن هنا تكرر الشروق والخسوف .Alali42@yahoo.com