مطلق العنزي
مع أن البشر منذ الخليقة كائنات مصلحية. وقد اندلعت أنهار الدم عبر التاريخ ذوداً عن المصالح أو طمعاً فيها، إلا أن ثورة الاتصالات أشعلت ظاهرة «التسييس» بشكل غير مسبوق، حتى أصبح المرء يمارس السياسة في المكتب والمنزل والسيارة وفي كل مكان، وربما في أحلام المنامات.والعقل السياسي محير ومبدع، فهو ينسج عجينة غريبة من المصلحة والفكر والتحزب، ويغلفها بمثل إنسانية أو دينية.وتجلت هذه الخلطة في حملة «أسطول الحرية» الذي كان يحمل ناشطين متنوعين تحت عنوان إغاثة المحاصرين في غزة.كثير من الناشطين يسعون إلى إنجازات إنسانية دون شك، لكن بعضهم استغل العنوان الإنساني في الحملة كي يلمع سياسياً وينسج بطولات شخصية، وبعضهم مجرد تابع حزبي يسعى إلى إظهار اسم الحزب وتسويق إعلامي. ونجح الانتهازيون في تسجيل بطولات، بسبب «الرعونة» الإسرائيلية والسلوكية العدوانية لحكومة بنيامين نتنياهو و«شركاه» المتطرفين المتزمتين وليس أقلهم وزير الخارجية افيغدور ليبرمان المتطرف الديني الذي يتمتع بوقاحة لا تطاق، لكنه يحظى بإعجاب وقربى من الأوروبيين العلمانيين المهذبين!كانت الحملة تحظى برعاية إيرانية وأبوية حزبية تركية، ومع ذلك اشترك فيها معادون للخط الإيراني والعلمانية التركية، لأن الحملة تخدمهم حزبياً وسياسياً، إذ أن أماكن أخرى لا تقل مأساة عن غزة لم يفكروا فيها ولا ينوون زيارتها أو كسر حصارها الأبدي. فهم يعلمون أن إسرائيل «مدللة» وسائل الإعلام العالمية التي تركز على كل ما له علاقة بإسرائيل، فأرادوا أن يكونوا في سطوع الضوء.واشتركت غريزة حب الظهور والانتهازية والرعونة الإسرائيلية المتهورة في صنع المأساة في «أسطول الحرية».اسرائيل مقتنعة، بل ومتأكدة من أنها «مدللة» القوى الكبرى ومجلس الأمن، وأنها فوق الحساب والمحاسبة، ومستعدة لارتكاب أية حماقة أو مجزرة في عرض البحر أو في دبي أو في غزة أو في الضفة الغربية دون تورع أو خجل أو خوف، ولن ينالها سوى إدانات شفوية، سرعان ما يزول مفعولها وتنتهي الحفلة، ثم تؤخذ إسرائيل ووزراؤها المتطرفون بالأحضان في كل مكان من الأرض.حتى حماس كان يمكن ألا تكون أكثر من مجرد حزب صغير، لو لم تصنع منه الرعونة الإسرائيلية تياراً جارفاً في الأوساط الشعبية العربية، وكان على واشنطن أن تعلم أن شعبية حماس شكلها التطرف الإسرائيلي وليس خطها الحزبي.يبدو أن المشكلة تكمن في أن إسرائيل وواشنطن يعلمان، لكنهما يودان «حماس» قوية، لأن ذلك يعزز استمرار فصل غزة تحت حكم حماس ونفوذ إيراني وتلجأ فتح لمساندة إسرائيلية،وهذا ـ على الأقل ـ يشغل مصر عن مواجهة إسرائيل دبلوماسياً، ما دامت الجبهة الإيرانية على حدودها. ولا يبدو مجرد صدفة أن يستقل حزب ديني في حكم غزة، بينما تجلب الانتخابات الإسرائيلية حكومة دينية متطرفة في إسرائيل أيضاً، ربما كي تشتعل المواجهة بأقصى ما يمكن من القسوة والتهور ، وترتكب إسرائيل مجازر جديدة، وتتشدد حماس وتتمسك بالحلف الإيراني، ويستمر انقسام فلسطين، ولا تحرير ولا يحزنون. وترالغزاوية المتعبة .. ترنو إلى الشاطيء..ترقب مراكب البحر..سيأتي الخبز ومسكنات الوجع.. وبلاسم السهد..البحر الأبيض، يتحول إلى بحر دم أحمر وضجيج رصاص هجمي ينهال.يسقط المدنيون العزل، صرعى، يتطهرون بآخر قطرة من الدم ودموع الغزاويات الساخنة، وصلوات غائب : سترزقون بفيء الجنان وفردوس السلام، إذ ترفث غزة بعذاباتها.malanzi@alyaum.com