خليل الفزيع

خليل الفزيع

هل قرأت رواية الخيميائي للروائي البرازيلي باولو كويلو؟ اذا لابد انك اطلعت على تلك الحكاية التي أوردها في مقدمة روايته عن اسطورة نرسيس, ذلك الفتى الجميل المعجب بنفسه جدا, وقد كان يذهب الى البحيرة كل يوم ليتأمل وجهه البديع, وكان فتونا بصورته.لكن الفتى نرسيس سقط في البحيرة وهو مستغرق في تأمل ذاته, ومات غرقا وفي المكان الذي سقط فيه نبتت زهرة سميت باسمه نرسيس (نرجس) واليها تعود آفة النرجسية التي يصاب بها بعض من يحبون انفسهم الى درجة قاتلة, ألم يقل احد الحكماء إن من الحب ما قتل, لكن الحكاية لا تنتهي بموت نرسيس, لان كويلو يقول ان اسكار وايلد الذي استقى الخيميائي من كتابه هذه الحكاية.. لا ينهي القصة على هذا النحو بل يقول انه لدى موت نرسيس جاءت الاورياديات من الغابة الى ضفة البحيرة ذات المياه العذبة, ووجدنها قد تحولت الى جرن دموع, وسألت الاورياديات البحيرة : لم تبكين؟ اجابت : ابكي من اجل نرسيس, فقلن : هذا لا يدهشنا, لطالما كنا نلاحقه في الغابات باستمرار, لكنك الوحيدة التي كانت تستطيع مشاهدة جماله عن كثب. فسألت البحيرة : - وهل كان نرسيس جميلا؟اجابت الاورياديات متعجبات :- من يستطيع معرفة ذلك اكثر منك؟ ألم يكن ينحني فوق ضفافك كل يوم؟سكنت البحيرة لحظة قبل ان تقول شيئا.. ثم اردفت : - ابكي من اجل نرسيس لكني لم ألاحظ ان نرسيس كان جميلا, ابكي من اجل نرسيس لأنني كنت في كل مرة ينحني فيها على ضفافي, ارى جمالي الخاص في عمق عينيه.هذا ما يفسر لنا صدى تلك النرجسية, وما تتركه من اثر في نفوس من يتلقاها, ففي حالات كثيرة تأتي ثمار النرجسية عكس ما هو متوقع, فاذا كنت نرجسيا ستعاني وحدك من سلبيات ذلك, اما الآخرون فقد تقدم لهم خدمة من حيث اردت الاضرار بهم, وهذه الخدمة تتمثل في انك اظهرت لهم مدى الجمال الذي يتمتعون به, ولأنك محب لذاتك فقد آلمك جمال الآخرين, وبهذا اكدت على هذا الجمال الذي افتقدته منذ لحظة سقوطك في بحيرة حب الذات الذي قد يصل الى درجة العبادة, وعبادة الذات اقبح واضل سبيلا.النرجسية وهي مرض نفسي مزعج, قد تأخذ عدة اشكال, منها ما يتعلق بسلوك الفرد في ممارسة حياته العادية, ومنها ما يتعلق بفكره ومعتقده, ومواقفه من الآخرين وكل ذلك يتلخص في ان كل شيء ما عداه باطل, فمن حيث السلوك يؤمن تمام الايمان بالقول المعروف : (يا ارض انهدي.. ما عليكي قدي), اما من حيث فكره وما قد يتضمنه من انحراف, ومعتقده وما قد ينتابه من هوس, ومواقفه وما قد يعتريها من إساءة للآخرين, فإن كل ذلك في نظره هو الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وكل ذلك لا يكتمل الا اذا اقترن بالنفخة الكذابة, والإثارة الممجوجة, والادعاء الأجوف.وقد قال إبراهيم طوقان : ==1==حب الظهور على ظهور الناس منشأه الغرور==0====0==ما لم يكن فضل يزينك فالظهور هو الفجور==2==وقال شوقي :==1==واذا اتى الارشاد من سبب الهوى==0====0==ومن الغرور فسمه التضليلاواذا اصيب القوم في اخلاقهم==0====0==فأقم عليهم مأتما وعويلا==2==وكفانا الله واياكم شر النرجسية والغرور.khalfizaia@alyaum.com