مطلق العنزي

مطلق العنزي

في هذه الأيام وقبلها، ترتدي كثير من العرائس في مدن أوروبا وقراها ونجوعها ومنتجعاتها شالاً أبيض أي «نقاباً»، أي والله نقاباً (بتحسين ما). وتستمر ترتديه العروس الأوروبية طوال حفلة الزفاف، وحينما تذهب إلى الكنيسة لإجراء طقوس الارتباط. ولم يقل المسيو نيقولاي ساركوزي ولا جان لوبان، ولا البلجيكي «الليبرالي» دانيال باكيلان ولا أي من المروعين، في المهد الأوروبية أن هذا رمز ديني يتعين منعه من التداول في مضارب العلمانيات العظمى الماسية.وكان الحجاب منذ بدايات لسعات لفحات البرد القارس، مجرد زي نسائي شخصي، ترتديه نساء أوروبا وآسيا، وأمريكا ونساء بلاد النهرين وما وراء النهرين، وبلاد المسيسبي والمايا والاغريق وشعب الهوتو والسنهاليين والعرب والزولو والبشتون والقوقاز وفي كل النجوع والمهد الإنسانية، وفي كل مكان تدب فيه رجل ناعمة وعين ناعسة. ولم يكن ليثير مشاكل ولا فضول ولا شهية سياسيين مفوهين، ولا عسكريين مؤدلجين، وجدوا ضالتهم، أخيراً في النقاب وجعلوا منه «فوبيا» مخيفة تزور الأطفال في مناماتهم، مثل أي حصبة أو وباء مفاجيء يملأ صباحات أوروبا، كرماد بركان أيسلندا، بالرعد ويخز عيونها بالسهد.باختصار كل نساء الأرض كن يرتدين «الإيشارب» أو الحجاب، وكان من الممكن أن يرتدينه كحرية شخصية، قبل أن يظهر اليمين الساركوزي، وقبل أن يكتشف السياسيون الأوروبيون المنافقون أن الحجاب مسألة قابلة لأن تشكل ما يمكن أن أسميه «جدار الحجاب» بعد سقوط جدار برلين. ويمكن أن يكون الحجاب عزلاً خاصاً وسجناً يسطر الحدود بين أوروبا «النقية» وبين بقية الدنيا.كنت دائماً أتعجب كيف أن قطعة شال، ترتديها طفلة تتقي بها لفح البرد القارس تستفز جنرالات تركيا بكل هيبتهم ونجومهم وبزاتهم الزاهية ونياشينهم «الحربية» اللامعة. ويتطلب ذلك ملاحقتها وأمها وأبيها وتنغيص حياتهم خوفاً من أن تكون قطعة القماش ذات رائحة إسلامية، في مدينة كانت يوماً عاصمة الخلافة الإسلامية، وفي بلد تمتليء شوارع مدنه بالمآذن. وكنت أرى أن ذلك مجرد نزوات تلم بـ«الجونتا» العسكرتاريا.ثم تطور المرض ليصبح «فوبيا» تلم بسياسيين أوروبيين يتغنون بالحرية الفردية. ووجدنا في بلد منافيست حقوق الإنسان والبيان التاريخي للحقوق الإنسانية المضطهدة، أن الدولة بكل قادتها العظام، يلاحقون طفلات في مدارسهن ويروعونهن بسبب قطعة قماش، وفي بلدان تدعي ضمان الحقوق إلى درجة تحريم ترويع الكلاب والقطط، بينما ترويع طفلة مسلمة يسجل على أنه جهاد في سبيل الأمجاد العظمى للحرية. لو أن الذين يقدم على هذا الفعل «طالبانيون» متشددون من أتباع الملا عمر، أو طغمة عسكرية تحكم بلداً من العالم الثالث أو مجموعة أيديولوجية تعاني من لوثة ثقافية لهان الأمر. فقد جرب هذا العالم كل أشكال النزوات وأطواراً عجيبة من الديكتاتوريات الفردية إلى النزوات الحزبية البالغة الشذوذ. ولكن أن ينهض برلمانيون وقادة سياسيون في فرنسا مثلاً، ويسهرون يدعكون جباههم وتحمر عيون مستشاريهم من فرط السهر والجهد ليالي طوالاً عجافا، فقط كي يحللوا «الأخطار» التي يمكنها أن تشكلها طفلة محجبة تلهو في كتبها وأقلام الرصاص وعلب الألوان في حقيبتها المدرسية.أما حكاية الحقوق والحضارة وعاصمة النور.. فهي الآن في عصر الساركوزية «ملح».. وفكاهة فضائية و..«سلامتها أم حسن» (على رأي المطرب الشعبي عدوية). وعدوية شخصياً كان يسمح بأن تتمايل إلي جانبه محجبات بأزياء صعيدية، بينما لن يسمح ساركوزي وحشده اليميني بهذا، لأنهم مشغولون بمهمة تسخين صراع الحضارات وكبح جماح الهجرة وانتشار الدين الإسلامي وإشعال حرب عرقية. لا حرية ولا علمانية ولا يحزنون..! وترروحك تجوب وهاد الأرض وتسطيرات الحدود.. وتعلو..وقلبك صفحة الجغرافيا المديدة..إذ تشدو الصبايا أناشيد الفرح، من آلام كاتمندو السخية، حتى تتألق حقول القرى في فلورنس وأيوا ووديان نيو أورليانز، حيث يغدق المسيسبي عطاء الماء.وتنثرين الرضا وخلجات الروع، في سفوح الانديز وضفاف النيجر وشواطيء «الكيب» القصية، ومعوزي الصحراء، ورياح الشمال.malanzi@alyaum.com