محمد العلي
من الكلمات التي نسمعها من كل لسان ويمر السمع عليها دون التفات كلمة (الحاضر) ولكن ياترى ماهو هذا (الحاضر)؟ يعرف زمن التحول بانه (العصر الذي يختل فيه التوازن بين الماضي والمستقبل) ولن تجد زمنا يحمل على كتفيه هذا الخلل الجبلي الصاعق مثل زماننا هذا.. فهل لهذا الخلل من آخر؟كلا:ذلك لان التحول يعني (الصيرورة) وهي حسب التعريف الفلسفي «التغير في ذاته من حيث إنه انتقال من حال الى حال.. ويقابل الثبات.. وعدها هيرقليطس صراعا بين الاضداد ليحل بعضها محل بعض» ومعنى هذا ان اختلال التوازن بين الماضي والمستقبل الذي ينوء به كل حاضر متحرك.. مسألة دائمة بالضرورة.. وهذا ما نشاهده الان في مجتمعنا من انحلال بعض القيم القديمة ونشوء قيم مناقضة لها.. وهذا هو معنى الصراع عند هيرقليطس.حين نتخذ من هذا مقياسا للتفاوت التفاضلي او (التطور المتفاوت) بين الامم والمجتمعات تبدو لنا فوارق هائلة.. فهناك مجتمع ليس في حاضره متسع لغير الماضي.. وبخاصة اذا زود هذا الماضي حراسه بالهراوات والسيوف بمختلف التبريرات.. ولكن هل هناك مجتمع لا متسع فيه الا للمستقبل؟لا اعتقد ذلك :ليس هناك مجتمع يدير ظهره لماضيه.. غير ان هناك مجتمعات حيدت ماضيها من التحكم في مستقبلها بحيث وضعته في الحيز الذي يتناسب وحجمه موضوعيا.. اما باقي المساحة فقد تركها لاستقبال اشارات المستقبل وملأ حاضره بما يتطلبه ذلك من شروط.غير ان الفعل في الحاضر لاحلال الماضي في حيزه.. وتحقيق شروط استقبال المستقبل الافضل.. ليس سهلا.. ان له شروطه الصارمة.. واولها فهم الماضي فهما نقديا يزيل ما تراكم عليه من الشوائب.. وتلك عقبة شاقة لان الماضي ليس تيارا واحدا.. انه قيم ومذاهب واتجاهات سياسية متصارعة.. ولذا فان فهمه ليس واحدا.. والوصول الى فهم مشترك لهذا الماضي شرط لتحييده.ان اهم الخطوات في مسيرة لوثر (1483 ـ 1546) هي مقاومته لاحتكار الكنيسة فهم الكتاب المقدس.. وحين ترجمه الى الالمانية اصبح فهمه مشاعا بين الناس وتولد وعي مشترك لفهم الماضي من هذه الناحية.هنا نحتاج لتوليد الفهم المشترك لماضينا الى مصباح.. الى دليل.. والدليل المضيء موجود.. ولكننا تغافلنا عنه ازمانا وهو معرفة الاسباب الكامنة وراء ولادة تلك القيم والمذاهب والاتجاهات السياسية.. ان تلك الاسباب ولدت مسبباتها وفق ظروفها اما الان فقد تغيرت الاسباب ولابد ان يتبعها تغير المسببات.. وحين نصل الى القناعة بهذا المصباح نكون قاب قوسين من الفهم المشترك.غير ان (الهروب من مواجهة الواقع) كما قال الاستاذ عبدالله القفاري (الرياض 10/5/2010) هو شاغلنا فبدلا من فهمه نفتتح اكاديمية تخرج دكاترة لتفسير الاحلام.Alali42@yahoo.com