محمد العلي

محمد العلي

«طابع عام يكاد يميز كتابنا المعاصرين، على ندرتهم، هو اتفاقهم المطلق مع ما سبق أن كتبوه. فـأنت لا تكاد تجد أيا منهم يتنكر لما سبق أن أكده منذ عقدين او أكثر من السنين. وهو يعود إلى ما كتبه في الستينات.. دون أدنى تحفظ او مراجعة او إعادة نظر.لا يرى البعض في هذا ما يلفت النظر مدعيا أن الكتابة العربية كانت منذ القدم على هذه الحال. فقلما نجد في الثقافة العربية مصنفا يعيد النظر فيما سبق ان قاله متحفظا أو مخالفا أو مراجعا.. فعندما يستعرض الغزالي، على سبيل المثال، في المنقذ ما سبق ان قاله لا يخالف نفسه على الإطلاق ولا يعيد النظر في أي من كتبه (...)ليس هذا، بطبيعة الحال، شأن الفكر المعاصر حيث تخضع الحقائق لجدلية النفي والإثبات، وتنشأ وفق كرونولوجيا تجعل اللاحق مثقلا بما سبقه محددا به.. فلماذا يغفل كتابنا اذن (تاريخية الأفكار؟) ولماذا لا يقحمون ما كتبوه ضمن حركة التاريخ، فيقبلون التبدل على انه حياة للأفكار لا علامة على موتها.ربما عزا البعض ذلك الى جمود الواقع العربي ذاته، فسكون الواقع يجعل الكاتب لا يشعر ان شيئا تجدد وان ما قاله منذ نصف قرن مازال صالحا الى اليوم». عبدالسلام بنعبدالعالي ـ ميثولوجيا الواقع ص 54.سيفرح بعض من يقرأ هذا الكلام فهو في ظاهره وما يحمل من (الاطلاق) يضع المبرر لمن يريد الانتقال من أقصى اليسار الى أقصى اليمين.. أليس في تغيير الفكرة ما يدل على التطور وما يشعر بازدهار المعرفة ووصولها إلى الأنضج.. اذن لنغير الطريق دون مبالاة.وسيقول ما دامت تاريخية الأفكار التي تعني تغييرها علامة من علامات ارتفاع التفكير على نفسه اذن لانتقل من نصرة الحرية إلى محاربتها ومن الاعتراف الواثق بحقوق الإنسان الى التنكر لها ومن الايمان المطلق بالانسان الى الضحك عليه.بنعبدالعالي بريء من هذا الوهم:انه لا يقصد تغيير القيم التي لا يمكن ان يكون الإنسان انسانا مستقيما إلا بها.. لا يقصد المساس بالثوابت التي انعقد عليها الإجماع البشري والتي تصب لصالح الناس.. بل يقصد التكرار.. ولنسمه بعبارة أوضح يقصد الاجترار.الاجترار سمة الثقافات الراكدة التي لا تعرف الحركة والنمو ومعانقة التاريخ.. وهي سمة لاحظها كتاب ومفكرون منذ زمن سحيق.. ومع ذلك لانزال نشاهد هذا الاجترار حتى في أكثر الفنون التصاقا بالوجدان.الفقرة الأخيرة من كلام بنعبدالعالي حول الواقع العربي الراكد مهمة جدا ولكنه تركها دون ان يطرح السؤال لماذا يكون واقع ما راكدا؟ يكون كذلك بالركود الاقتصادي وبتخلف التعليم و تقهقر التنمية.. ولا نحتاج الى القول بالحاجة إلى الحريةMali@alyaum.com