محمد العلي

محمد العلي

ماذا يحدث لو دخلت ذاكرتك ورحت تمشي فيها كما تمشي في بستان تتفحص ما فيه من ازهار وعشب واطيار وشوك وحشائش ضارة؟ ماذا يحدث لو اوغلت عينيك فيها متفقدا الاشجار التي جفت جذورها وتلك التي يعانقها الشباب الغض؟ وماذا تختار ان تبقي عليه منها.. وما تجتثه الى غير رجعة؟ان الذاكرة تنشأ معنا لا اراديا منذ الوجود الاول.. وما يثبت فيها ليس ذا لون واحد ولا وزن واحد: ففيها القيم القديمة والجديدة وفيها الافكار التي لم تصل الى وكر تستقر فيه.. وفيها الباقات الجمالية مختلفة الروائح وفيها الرغبات المندحرة وتلك الطامحة الى الوصول.. فماذا انت بصانع من ذلك كله حين تريد، أتثبت او تمحو ما في ارض هذه الذاكرة؟حين تريد المحو والاثبات لابد لك من معيار صارم.. فما هو المعيار الذي تختاره؟ ان المعايير ليست واحدة.. والاهم ليست ثابتة فهي تحوم حول القيم.. فما هي القيم التي أمام عينيك وأمام ارادتك لتختار؟ستقول في نفسك وبرزانة واثقة : ان القيمة التي لا يتناطح فيها رأيان هي الحرية الإنسانية، وسأجعل هذه القيمة الثابتة على الرغم من تشعب المفاهيم حولها وكذلك تجسيداتها في الواقع.. سأجعلها (ضالتي) كما يقول القدماء وسأمحو واثبت على ضوئها الساطع كل ما في ذاكرتي منذ نشوئها معي حتى الآن.هنا ابصر صفا طويلا من الفلاسفة والنفسيين وصفا اطول من الطغاة يضحكون عليك.. لانك على أحسن الفروض تملك ان تختار.. ولكن كيف يمكنك ان تنفذ؟ هذا هو المأزق.دعنا نبدأ..انت تريد بحرارة ان تزيح من ذاكرتك اليقين الجارح بانك مواطن ناقص المواطنة.. لانك لا تعتنق فكرا بعينه ولا تصوب قرارا ما وتسير تحت ظل المقولة : «من يمن بفتح باب يستطع غلقه» وهذا حقك كما تقول مواثيق الامم المتحدة ولكن هذا حقك هناك في نيويورك.. اما في العالم العربي فأنت من اخوان (كان) اكملها الله.انت يقودك طموحك الى التشبه بديكارت وتريد ان تجتث من ذاكرتك كل شيء حتى تبقيها قاعا صفصفا.. ثم تزرعها من جديد بالافكار والقيم والقناعات الواثقة بان المستقبل افضل من الماضي مؤمنا بمقولة : «ان جميع المجتمعات تتجه بالضرورة نحو حالة مثالية افضل» كما يعتقد بذلك بعض الاجتماعيين المخالفين لروسو.. ولكن هل تستطيع ذلك. لقد قام الغزالي بنفس المحاولة الديكارتية ويا ليته لم يفعل.. لانه لم يعد كل ما كان في ذاكرته وزرعه من جديد.. بل زاد عليه الحدس الذي قاده بدون عنان.انا لا اريد ان أفتح عينيك على عثرات الطريق.. كل ما أريده هو مشاركتي في ان ليس كل ما في ذاكراتنا صحيحا.. وعليه بالضرورة لابد من فحصها بين آونة واخرى للوصول إلى المرفأ الأبعد.Alali42@yahoo.com