خليل الفزيع

خليل الفزيع

كل مدن العالم تستقبل المطر برحابة صدر، تحتفي به قبل أن يختفي في مجاريها، وللأطفال مع المطر أناشيد تعبر عن فرحتهم به، وهم يخرجون لاستقباله بفرح طفولي بالغ، وكل مدن العالم تتوفر فيها بنية أساسية متينة قادرة على استيعاب كميات المطر بعد نزولها مباشرة مهما كانت كثيرة ، فلا سيول تكتسح الأخضر واليابس ولا مستنقعات تحتضن الأوبئة، ولا شوارع وأحياء موحلة، ولا قلق من السكان خوفا من شل حركتهم، ونحن هنا نتكلم عن الأمطار العادية وليس عن تسونامي يجتاح المدن الساحلية.فالأمطار العادية مبعث سرور ومحل ترحيب في معظم إن لم نقل كل مدن العالم، لكنها في مدننا غير مرحب بها، لأن مدننا تفتقر لأسباب استقبال المطر والترحيب به كضيف معزز مكرم قبل أن يسلك طريقه إلى الزوال كما هو الحال في مدن العالم الأخرى، بل انه لدينا ضيف ثقيل الظل عندما يصر على البقاء في الشوارع ويحيلها إلى مستنقعات لأنه لا يجد مهربا منها إلا إليها. لماذا لا تستقبله مدننا بما يليق به من الحفاوة والترحيب، الجواب معروف وهو انها مدن غير مهيأة لاستقبال الأمطار، وهي لا تزال تقدم لنا الدليل تلو الدليل على عدم قدرتها على استقبال هذا الضيف الكريم.هناك مدن في بلدان تعيش على المساعدات الخارجية، تجتاحها الأمطار الاستوائية على مدار العام، ومع ذلك فلا تكاد تتوقف حتى تختفي آثارها من الشوارع، لتعود تلك الشوارع كما كانت قبل نزول المطر، أما نحن فإننا بعد نزول المطر نستنفر (وايتات) الشفط، لتسحب المياه من الشوارع في منظر يعيدنا إلى سنوات خلت عندما لم يكن الحال كما هو الآن من حيث الوفرة الاقتصادية، وإمكانيات التنفيذ للمشاريع العملاقة، من يصدق أننا نسحب مياه الأمطار بالوايتات بدل أن تكون في مدننا مجاري السيول الضخمة التي تستوعب كميات الأمطار مهما كانت كبيرة، بدل أن تكون هذه المجاري محدودة الاستيعاب!.مدننا التي تصرف على إنشاء بنيتها الأساسية مليارات الريالات، (تغرق في شبر ميه) كما يعبر إخواننا المصريون، والسبب هو سوء التنفيذ وفساد الذمم وغياب الرقابة الصارمة على الشركات المنفذة للمشاريع، وهكذا يسير الحال، إلى أن يقع الفأس في الرأس، وتبدأ التحقيقات، وتتضح الصورة البشعة للمتلاعبين والعابثين ولكن بعد أن يدفع غيرهم الثمن، من الغرقى والمصابين والمتضررين من السيول في ممتلكاتهم. الشوارع تغرق، والأنفاق تتحول إلى مصائد للعربات وركابها، ويتكرر هذا المشهد المأساوي دون أن نعيد النظر في سياسة (العمل من الباطن) التي تتسرب إلى معظم مشاريعنا، وهي سياسة يدفع ثمنها المواطن دون سواه، فالمقاول الأساس يأخذ نصيبه من الأرباح قبل أن يحيل المشروع إلى مقاول آخر وهكذا إلى أن يصل المشروع إلى آخر مقاول كطائر منتوف الريش، غير قادر على التحليق في سماوات الجودة والالتزام بمدة التنفيذ، والسبب (العمل من الباطن).الاعتمادات المالية التي تخصص للمشاريع العامة توحي بأن مدننا ستتحول إلى جنة الله في أرضه، والأرقام الفلكية التي يعلنها بعض المسئولين عن مشاريع الجهات التي يشرفون عليها، تؤكد سخاء الدولة في الإنفاق على المشاريع الخدمية من أجل راحة المواطن، لكن ما يراه المواطن على أرض الواقع لا يصل إلى مستوى طموحاته المبنية على ما يقرأ ويسمع ويشاهد من تصريحات بعض المسئولين، الذين يتحدثون أكثر مما يعملون. فمتى تستطيع مدننا الترحيب بهذا الضيف القادم من السماء حاملا معه الخير والنماء؟!.khalfizaia@alyaum.com