محمد العلي

محمد العلي

من يقرأ الساحة الثقافية يجد أن النقد في آفاقه الواسعة قد ازدهر عندنا ازدهارا واضحا، لكنه يلاحظ في نفس الوقت أن الإبداع متعثر إلا قليلا أو أنه يمشي بلا بوصلة لا يملكها إلا القليل من المنتجين.. وهنا يأتي السؤال : لماذا هذه المفارقة بين ازدهار النقد وتعثر الإبداع ؟!الجواب في غاية الوضوح :إن الروافد التي أمدت النقد بازدهاره ومازالت روافد موضوعية. إنها تيارات غربية عرفها النقاد العرب وراحوا يخبون على ضوئها في التنظير للنقد ومنعرجاته وتطوراته. أما الإبداع فهو إنتاج ذاتي. إنه ينبع من الداخل .. من مكونات البناء الوجداني بكل ما فيه من آثار الماضي والحاضر والنزوع الفردي إلى التجاوز، وهذا ما يجعل الإبداع مشدودا إليه حتى لو اطلع المبدع على الإبداعات في ساحات أخرى. إنه لا يعكسها بل يعكس ما هو فيه وعليه من البناء الوجداني.وقد كان النقد يمشي على ضفة أخرى.. كان في منأى عن هذا، وهو بقدر ما أفاد الساحة تنظيرا أساء إليها تطبيقا وتجاوزا غير مبرر لما هي عليه. إن كثيرا من الشباب الذين لا تنقصهم الموهبة تلوثوا بآراء ومفاهيم لم يكن بناؤهم الداخلي مستعدا لها.. ذلك لأن النقد فكر ـ مهما كان مبدعا ـ أما الإبداع فهو وجدان .. هو انبثاق عفوي ولغة جمالية تتكامل دائما.. وهذا شيء لا يترجم.لنقف أمام هذه المقولات :الشعر الجديد لا يصف بل يكشف ويغير.النص المنغلق على ذاته.الشعر هو اللغة الجمالية.الشعر وليد الشعور واللا شعور معا.هذه المقولات ذات المفاهيم السائبة اللامحددة.. فتحت أمام الشباب انزلاقات مدمرة.. لأن كلا منهم راح يحملها دلالة خاصة به، فأصبحت اللغة لديه بلا عنان وانفتحت فوهات من الدخان بلا لهب نجدها في عشرات الإصدارات.إن ما يصير به الكلام شعرا ليس له الفية ابن مالك.. سواء كان غربيا أو شرقيا. إنه طاقة ذاتية تقوم كل الروافد المعرفية، بما فيها النقد، بتغذيتها وتنميتها وصقلها.. لا خلقها، وهذه الطاقة الذاتية لها جذورها الممتدة من الماضي ومن الحاضر ومن التجاوز.. وعلى النقد دراسة هذه الجذور.. لا أن ينقل وصف ثمار جذور أخرى. نعم هو يستفيد منها، لكنها تبقى صفات لموصوفات بعيدة.ليس في يد هذه المقالة أن تطرح جميع أبعاد هذا الموضوع.. فذلك يحتاج إلى محاضرة واسعة لعلي أقوم بها يوما ما، وأتمنى أن يكون قريبا.Alali42@yahoo.com