خليل الفزيع
لم يعد الانترت ذلك الكائن الخرافي العجيب الذي كان مجرد التعامل معه وبه يعد ضربا من الصعوبة التي تقتضي تخصصا ودراسات متقدمة واستعدادات مكانية وزمانية كبيرة, كما لم يعد صعب المنال كما كان سابقا’ بعد ان اصبح في متناول حتى الأطفال, وبأحجام يمكن حملها بسهولة وبسرعات مذهلة تختصر الزمان والمكان’ لكنه في الوقت نفسه اسهم في اقامة السدود التي حرمت الناس من التواصل المباشر ليصبح هذا التواصل افتراضيا يستطيع أي انسان ان يكون من خلاله صداقات واسعة مع اناس في أماكن بعيده, لا يحتك بهم حتى وان تكلم معهم ورأى صورهم وعرف ادق اخبارهم دون ان يعرفهم عن قرب’ وهذا العالم الافتراضي عزل الناس عن عالمهم الواقعي, حتى بتنا نقرأ عن اناس قطعوا صلتهم من حولهم, ولم يعد لهم أي تعامل الا من خلال الانترنت, وهو أمر يقود الى الاشارة للآثار السلبية النفسية او الاجتماعية او الجسدية لتلك العزلة, مما لم يهمله المختصون فأشبعوها دراسة وتحليلا دون ان تحد نتائج ابحاثهم من انغماس الناس في الانشغال بالانترنت والتعامل معه’ بعد ان وجدوا فيه حلا لجميع مشاكلهم في التواصل مع غيرهم’ وما يعنيه هذا التواصل من تقريب المسافات واختصار الأوقات, ليس لدى رجال المال والأعمال وطلاب العلم والمعرفة فقط, بل لدى كل الناس الذين يجيدون الحد الأدنى من القراءة والتمرين, وأجهزة الحاسوب كفيلة بتعليم من يريد ان يتعلم كيفية التعامل مع هذا المنجز العصري العجيب «الإنترنت» الذي بدأ وحشا عملاقا لأغراض معينة وفي حدود معينة في وزارة الدفاع الأمريكية’ ثم اصبح كائنا اليفا يسهل ترويضه والتعامل معه دون تعقيدات او مجهودات كبيرة’, لكن هذا الكائن الأليف اذا لم تستطع كبح جماحه, ينطبق عليه قول القائل:يعطيك من طرف اللسان حلاوةويروغ منك كما يروغ الثعلبواسوأ ما في الأمر انه فضح الناس وعراهم من اسرارهم’ وكشف مكنونات نفوسهم, وذلك بطوعهم واختيارهم, ولعب الفيس بوك واخته دورا في هذا المجال, عندما يضع الانسان تحت مجهر من يريد به خيرا او شرا.واذا كانت قوانين بعض الدول تمنع استخدام معلومات الانترنت لغير اصحابها, فإن دولا كثيرة وبقوة القانون تبيح لنفسها استخدام هذه المعلومات في اغراض ما يسمى حماية الأمن القومي, وهو عنوان ممتدد لا حدود له, لأنه يشمل اعمال التجسس والتسلط على الناس واختراق خصوصياتهم, مما يعني وجوب الجذر في التعامل مع الانترنت واستخدامه في الأغراض المشروعة حتى لا يصبح حجة على مستخدمه, بدل ان يكون حجة له, ولعل اوضح دليل على امكانية اختراق الخصوصية هو ما تراه عندما تفتح بريدك الالكتروني من اعلانات على شريط جانبي, فكيف عرف اصحاب هذه الاعلانات بريدك الالكتروني, ثم هل تساءلت وانت ترى الرسائل ترد الى ايميلك من كل حدب وصوب: كيف عرف اصحاب تلك الرسائل بريدك الالكتروني؟ولأن الانترنت اداة يمكن استخدامها في الخير والشر, لذلك فمن الحكمة ان يحمي الانسان من تطفل المتطفلين, ومن يريدون به وبغيره شرا, فلا يستخدم هذه الأداة في غير مجالها المشروع والمفيدة, وقد اصبحنا نقأ عناوين مخيفة, عن جرائم الانترنت الاخلاقية والمالية’ وتسخيره في ارتكاب اعمال العنف والإرهاب, وتمرير الأفكار الهدامة, والمقاطع والصور الإباحية, وهذه سلوكيات من صنع الانسان نفسه, صحيح ان الناس ليسوا جميعا شياطين, لكنهم ايضا ليسوا جميعا ملائكة, والانسان هو الذي يختار من أي الفريقين يكون, فهو وحده من سيتحمل نتائج اختياره.khalfizaia@alyaum.com