مطلق العنزي

مطلق العنزي

علماء الدين بشر قاصر، مثلنا، ولا يتمتعون بأية عناية إلهية خاصة، وبعضهم يقتنع بهذا ويتصرف في حدوده البشرية،وبعضهم يبدو أنه يتوهم أنه قد سما إلى مقامات نورانية إلهية، ويترجم أوهامه هذه إلى فتاوى قاطعة لا تقبل الجدل.العالم الإيراني حجة الإسلام كاظم صديقي، أفتى بأن العاصمة طهران قد تضرب بزلزال بسبب تبرج النساء.ولا أعلم لماذا حصر صديقي عقاب الله في تبرج النساء فقط، بينما «تبرج الفساد» وخراب الذمم يضرب أطنابه في كل بلدان العالم وهو أسوأ من تبرج النساء. وفي الحقيقة أن مغالين دينيين ومتطرفين شكليين، مسلمين «شيعة وسنة» ومن أديان أخرى لا يرون فساداً ولا شيطاناً إلا في المرأة. والأعجب أنهم يتفقون على الموبقات التي تحدث بسبب المرأة، بينما لا يرون في شلالات الدم التي تراق في أنحاء العالم والمذابح، ونهب حقوق الناس، أية مدعاة لعقاب الله. لماذا لم يقل صديقي : إن نهب فلسطين وتشريد أهلها وأعمال القتل فيهم منذ 62 عاما، مدعاة للزلازل وعقاب إلهي. ولا يرى أن حفلات القتل الطائفية في العراق التي أودت بمئات آلاف من الناس وشردت ملايين الآخرين أو أودعتهم السجون مدعاة للعقاب والزلازل، بينما امرأة تكشف ذراعها أو مكياجها في طهران هي سبب الزلازل، بغض النظر عما إذا كن تصرفها صحيحاً أو غير صحيح، حراماً أو غير حرام.وأصلاً يقول علماء الأرض، منذ سنين طويلة، ربما قبل أن يولد صديقي نفسه : إن طهران تقع في منطقة زلزالية يتوقع أن تضربها الزلازل في أية لحظة، وقدموا تحذيرات للحكومة الإيرانية مبكراً، ولم يقولوا : إن التبرج هو السبب،مثلما قال أحدهم : إن تسونامي أندونيسيا الذي داهمها قبل سنوات هو عقاب على الموبقات، بينما موبقات أشد وأفدح وأمضى تحدث يومياً ولم يصب أهلها بزلازل. فهذا التفسير تعد على عدل الله تعالى وهو الفرد الصمد العادل الحليم الرزاق الكريم.والمعضلة لدى هؤلاء أنهم يفسرون الظواهر برؤية انتقامية عقابية لشيء في أنفسهم، بينما لا يدور بخلدهم أن ذلك بلاء من الله لعبادة وسنة كونية. وقد عانى نبي الله أيوب صنوف العذاب، لكنه كان ابتلاء وليس عقاباً.ولو أنهم قالوا : إن الزلازل عقاب أو بلاء لهان الأمر ، لكنهم يقررون أنها عقاب وكأن الله تعالى قد أنزل عليهم كتاباً.المشكلة التي يواجهها الإيرانيون نفس المشكلة التي نواجهها هنا، هي أن بعض العلماء و «طلبة العمل» يجعلون آراءهم وتفسيراتهم الشخصية، التي تتحكم فيها الطبائع البشرية، مسألة قطعية وكأنهم أنبياء مرسلون، وكأن المسلمين قطعان أغنام دون عقول تنتظرهم أن يرشدوها إلى سواء السبيل.وأمثال صديقي في طهران يكيلون تهم التكفير للإصلاحيين الإيرانيين بـ «الكوم» لأسباب حزبية، لكنهم يلبسونها ثوب الدين، مثل نوعيات عندنا ليس أهون ما يطلقونه هو التكفير، بينما علمنا الإسلام أن التكفير تهمة خطيرة يتعين ألا تطلق جزافاً ولا مجاناً، وأي شخص يستسهل تكفير الناس بناء على تفسيراته الخاصة، إنما يمارس تحدياً صارخاً لحكمة الإسلام ورشد علمائه. والغلو ليس من الإسلام وإنما هو «تنفيس» لهوى نفس وممارسة حزبية ودفاع عن آراء أشخاص، لهذا يكثرون الحديث عن العذاب والعقاب ويقلون في الحديث عن الرحمة والعفو، وهذا تطاول على الله تعالى، بتحديد أولوياته، وعفو الله ورحمته مقدمة على عذابه.وهذا التطاول أفدح التبرجات والآثام.* وتربكاء اليتامى يتعالى ..والأبرياء وقود النار..والثكالى يستكن إلى النحيب..والفقراء يرفلون بأسمالهم.لا صوت يصل إلى جدران مساءات الرفاه..malanzi@alyaum.com