مطلق العنزي
هل رأيتم ماذا فعلت أيسلندا؟ايسلندا جزيرة «هجينة» جيولوجياً، فهي تضم صفائح من قارتي أمريكا الشمالية وأوروبا. ولكنها، وفقا لـ«يكبيديا»، اعتمدت بلدا أوروبيا بحكم الثقافة لا بحكم الجغرافيا، على الرغم من أنها تبعد عن أقرب نقطة من البر الأوروبي 970 كم, ولا تبعد سوى 287 كم عن«غرينلاند» (التابعة لقارة أمريكا الشمالية). وتقع أيسلندا على قمة مرتفع في المحيط الأطلسي. ومساحتها ضيقة (103 الاف كم مربع)، وفيها 140 بركانا، منها 30 بركاناً ناشطاً. وشكلت براكينها في ستينيات القرن الماضي أحدث جزر العالم، هي جزيرة سرتسي التي سميت باسم سرتر أحد الشخصيات في الميثولوجيا الإسكندنافية، فقد تشكلت الجزيرة فوق مستوى المحيط بعد سلسلة من الانفجارات البركانية بين 8 نوفمبر 1963 و 5 يونيو 1968. ومع أن ايسلندا حظيت بإطراء الامم المتحدة أنها أفضل بلد في العالم يحقق نموا اقتصادياً عام 2007، إلا أنها في العام الماضي قد هوت إلى حضيض التهديد بالإفلاس بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية.أيسلندا.. أقصى الأرض. ومع أنها أبعد الأرض نأياً ومن أصغر البلدان مساحة، وأقلها سكاناً، إلا أنها كانت، قبل أيام، الأقرب إلى الأفئدة، والأكثر ترديداً في الألسن في كل مكان من هذه الأرض الضيقة..كل ذلك بسبب الرماد..!ليس ذلك فحسب، فإن البركان قد وجه ضربة تاريخية إلى أعظم مواصلات العصر والأكثر فخراً، وهي الطيران.ولا بد أن مدير فندق في ريكافيك قد اصيب بالإحباط لأنه قد أدلى بتصريحات يدعو فيها السياح إلى السكن في ضيافته و «يستمتعون» بمشهد الحمم وهي تنبعث من البركان ايافييابلايوركل. لكن الرياح حملت رماد البركان إلى أوروبا حيث علق السياح في المطارات، ولم يأته أي منهم. وفي وقت أعربت منظمة الطيران المدني «آياتا» عن أملها بتعافي السفر الجوي من الأزمة العالمية، أعاد البركان الحال إلى التخبط مجدداً في عمق الأزمة.كما أن البركان قد صحح «معادلات» وأحدث علاقات أخرى، هي أن يتساوى الناس، بـ«حكم الرماد». فقد جرب مئات الآلاف من المسافرين من الطبقة الوسطى «حياة التشرد» والفاقة لأيام، حينما افترشوا الأرض في المطارات الزجاجية اللامعة وكان السقف وحده لحافهم وأيديهم المخدات وبعضهم شكا من نفاد مال وعانى جوعاً. ولم يبد فرقاً بينهم وبين حال متشردين يفترشون الأرصفة في لندن وباريس وواشنطن ويكابدون بطونهم الخاوية.وأيضاً أفاد تجار المصائب من البركان، وفي مقدمتهم السياسيون المعارضون في أوروبا الذين يهددون بمحاسبة عسيرة للحكومات بسبب قرار إلغاء عشرات الآلاف من رحلات الطيران. ومع أن المعارضين سوف يتخذون نفس القرار لو كانوا في السلطة، إلا أنهم لن يتركوا هذه المناسبة تمر دون أن يستفيدوا ويحدثوا ضجيج مزايدات معتادة وإسماع ناخبيهم والإيحاء أنهم «صاحون» ومخلصون ولن يمرروا «ألاعيب» الحكومات. مع أن المسألة عبقرية علاقات عامة وعقلية انتهازية.. لا أكثر. وترلظلالة الرماد، أحياناً حسنة، وموقف..أن تطفيء الضجيج للحظات..وتبرهن للعوالم الماسية، بأنها في لحظة ضعف، ليست أكثر من فتاة تراب. وتذكر عوالم السطوع، بأن الفاقة، الهوية الجنوبية، قد تداهم، فجأة ودون مقدمات، مرابع الثراء الشمالي.malanzi@alyaum.com