محمد السماعيل
الارتفاعات الأخيرة في أسعار الحديد لم تكن مفاجئة في قيمتها وإنما في ظروفها الموضوعية وعدم وجود سياسات سوقية تستشعر مؤشرات وحركة الخام العالمي بما يكشف عن وجود فجوة منهجية في العلاقة مع الموردين الرئيسيين، وهي علاقة استراتيجية ينبغي اعتبارها لدى الشركات الكبيرة التي تتعامل في هذه المادة الحيوية للتنمية خاصة أننا نعيش فترة تنموية قياسية وغير مسبوقة وتعتمد على الحديد بصورة أساسية، وذلك يضع كثيرا من علامات الاستفهام حول دور تلك الشركات، وكذلك دور أكبر جهة اقتصادية عليا مثل المجلس الاقتصادي الأعلى وموقفه من الرفع بصورة مضاعفة بدون آلية متوازنة، وذلك ينسحب تلقائيا على السؤال عن أسباب تأييد المجلس لرفع الأسعار بمقدار 700 ريال دفعة واحدة وفي وقت واحد، وينتج عن ذلك سؤال إضافي : ألم يكن من الأجدر أن تكون زيادة الأسعار تدريجية إن كانت التوصية برفع الأسعار صحيحة ؟كثير من المواطنين أبدوا امتعاضهم من رفع السعر فجأة بهذا الشكل ويبحثون عن إجابة لسؤال الأسباب؟ ومن وراء ذلك؟ هم ونحن بحاجة لمعرفة كثير من الإجابات لأسئلة غامضة وحركة سوق غير مفهومة، ولذلك أعتقد أنه من الضروري قيام أهل الاختصاص لبحث أسباب الزيادة، ولماذا تقف سابك أو مصنعي الحديد حائرين في التغلب على مثل هذه المشكلة ؟ لاسيما أن نفس الحالة تكررت قبل عامين، أي في 2008م، ألم نستفد من تجاربنا السابقة وهي ليست بعيدة ؟يعود ارتفاع الأسعار إلى ارتفاع مواز في أسعار المواد الأولية منها خام الحديد، حسب المعنيين وفي مقدمتهم سابك، ألم نسأل أنفسنا كمتخصصين في هذا المجال إن كان ذلك صحيحا أم لا؟ هل هو ارتفاع حقيقي أم مفتعل؟ هل هناك أسباب ومبررات لقيام موردي خام الحديد برفع الأسعار؟ ألم نسأل : لماذا نصبح لعبة في أيدي موردي خام الحديد ؟ ولماذا نعتمد عليهم؟ لماذا لم يكن لدينا مورد استراتيجي لخام الحديد؟ولنكن أكثر صراحة في تشخيص أزماتنا، فشركاتنا الكبيرة ذات الدور الاستراتيجي في حركة وإعادة انتاج مثل هذه الخامات لم تقم بدورها كما ينبغي في تحقيق التوازن للسوق. فبالنسبة لسابك فقد فوتت على نفسها فرصة لتأمين احتياجاتها من خام الحديد عندما طالعتنا الصحف قبل أربع سنوات بقيامها بإلغاء الاستحواذ على مناجم الحديد في موريتانيا لأسباب اقتصادية، وسواء كانت موريتانيا أو غيرها من الدول المصدرة لخام الحديد، ألم يكن من الأجدر أن تقوم سابك كمنتج رئيس للحديد بالحصول على مورد رئيسي للخام؟ فاستحواذ سابك على مثل هذا المورد لن ينفعها فقط بل سينعكس إيجابا على اقتصاد المملكة من خلال إمكانية تزويد المصانع الأخرى من هذا المورد أو غيره. وتشير الدراسات الى أن المصانع المتكاملة في الحديد والصلب التي لها مصدر ثابت واستراتيجي من خام الحديد لن يتجاوز تأثيرها في ارتفاع التكاليف 15بالمائة، بينما المصانع التي ليس لها مصدر خام ثابت يكون تأثير ارتفاع التكاليف أكثر خطورة وقد تصل إلى أكثر من 60 بالمائة، ولذلك فإنه من الضروري إعادة النظر في إستراتيجية صناعة الحديد والصلب في المملكة، وإجراء الدراسات والبحوث للتأكيد من عدمه حول جدوى أن يكون صناع الحديد مرتبطين بتحالفات إستراتيجية مع منتجي الخام والاستفادة من تخفيض التكاليف حتى يتم تفادي التعرض للتأثيرات السلبية المفاجئة في ارتفاع أسعار خام الحديد مستقبلاً.