خليل الفزيع

خليل الفزيع

يشهد عالمنا العربي خلافات طاحنة.. في وقت تتعرض فيه اللغة العربية لتيارات عاتية من التغريب ومحاولات التحريف والانحراف لتأخذ هذه اللغة مسارات لم تكن لتعرفها، لولا تلك التيارات والمحاولات التي تصر على طمس الوجه المشرق للغة الضاد، في سياق محاولات طمس الوجه المشرق للهوية العربية، وتتساوى في مواجهة هذا الخطر جميع دول عالمنا العربي من مشرقه إلى مغربه. وارتباط اللغة بالهوية أمر لا يقبل الجدل، باعتبار اللغة هي أهم مقومات الهوية وقاعدتها الأساس، فالعلاقة بينهما علاقة عضوية قائمة على تلاحم تاريخي ومنجز حضاري.. إنسانيا وتقنيا، وتزداد قوة مع الأيام، لكنها قوة قابلة للتأثر السلبي بكل ما يحيط بها من عوامل الضعف أو الجمود، إذا أخذ بعين الاعتبار أن اللغة كائن حي ينمو في المناخات المساعدة على النمو، ويضعف في الظروف المساعدة على الضعف، من أجل ذلك ماتت لغات كثيرة لم تتوفر لها مناخات الديمومة والبقاء، وتم إنعاش أخرى لتصحو من رقدة العدم.ومع أن اللغة العربية هي لغة القرآن المحفوظ من لدن عزيز كريم، وبحفظه تحفظ اللغة، لكن تسرب اللهجات والكلمات الأعجمية ومحاولات التآمر عليها من قبل بعض الجهات الأجنبية التي تصر على تغييبها عالميا، في المنظمات والمؤتمرات الدولية.. كل ذلك يؤسس لتحديات لا يمكن تجاهلها، وإذا كانت بعض المؤسسات المعنية باللغة ترى أن الحل لهذه المعضلة هو عزل اللغة عما يدور حولها، بحجة حمايتها من التغريب، فهذا أيضا يشكل خطرا آخر على اللغة التي يفترض أن تكون جزءًا من العصر في تفاعلها مع منجزاته المختلفة، فلا ترك اللغة في حالة من التغريب والتسيب يمكن أن ينقذها.. ولا حبسها في قمقم المحافظة الشديدة يمكن أن ينقذها أيضا.. وهذه الإشكالية لا يمكن تجاوزها إلا من خلال عقد الندوات الفكرية التي تهتم باللغة وتحاول إنقاذها من الأخطار المحدقة بشكل ملحوظ.وحماية اللغة العربية من الأخطار المحيطة بها ليست مسئولية دولة عربية دون غيرها، بل لا بد من تضافر الجهود في هذا الإطار لتفعيل الأنظمة والقوانين التي تنص على حماية اللغة، وفرضها على المستويات الوطنية والقومية، والعمل على انتشارها على أوسع نطاق.قوانين الدول العربية جميعها (تنص) على أن لغتها الأم هي اللغة العربية، لكننا لا نرى دولة عربية واحدة تعمل على نقل هذا (النص) من (مربع) العبارات الشكلية إلى فضاءات التطبيق العملي، بمعنى أنها لا تحرص على ملاحقة ومعاقبة كل من يخالف هذا النص، كما تلاحق وتعاقب من يخالف أي (نص) في القانون.. في مجالات أخرى، ومن هذا المنطلق تكون الحماية القانونية للغة من البدهيات التي يفترض أن تحرص كل دولة عربية على تطبيقها وبشدة على من يرتكب أي مخالفة بهذا الشأن، وحينها لن نجد لوحات المحلات التجارية وغير التجارية بلغة عربية محرفة وخطوط عربية مشوهة، ولن نجد موظفي بعض الشركات ذات العلاقة بخدمات المواطنين يصرون على التحدث بغير العربية، كما لن نجد مؤسسات تعليمية وأكاديمية حكومية تفرض اللغة الإنجليزية في جميع مكاتباتها ومراسلاتها حتى في داخل أروقتها، وكأنها تصر على أن تبقى اللغة العربية غريبة في وطنها الأم.وبغير قوة القانون لن تتحقق للغة العربية هذه الحماية التي يطالب بها جميع المهتمين بها والقائمين على شئونها وقضاياها المختلفة، وأي توصيات أو مقترحات ستظل حبرا على ورق إن لم تطبق بقوة القانون الذي يحمل بين طياته نوايا حسنة تجاه اللغة، وهي نوايا غير مجدية ما دامت لا ترقى إلى مستوى التنفيذ في معظم البلدان العربية.khalfizaia@alyaum.com