حسن السبع
ينقل إبراهيم الحيدري عن جاني كسَّاب أحد زملاء علي الوردي في جامعة بغداد في الخمسينيات من القرن الماضي النكتة التالية: «ذهب علي الوردي، ذات يوم، إلى مطعم في (باب الشرقي) ببغداد، وبعد أن اختار طاولة، سأل صاحبَ المطعم: «عندك مخ؟» فأجابه: «ما عندي مخ».. قال له الوردي بسرعة وعفوية: «أنت وحدك مرتاح بهذي الدنيا»! هذه نكتة تتلاعب بالكلمات كما هو واضح. فالمخ المقصود هنا هو مخ بقرة أو ثور أو خروف. وهي حيوانات متهمة بقلة العقل أو انتفائه. مع أن قلة العقل ليست حكرا على هذه الكائنات الطيبة المسالمة، بل إن الجنون الذي أصاب البقر ناتج عن سوء تصرف البشر. لقد استثمر الدكتور علي الوردي، بما أوتي من حس دعابة وخفة ظل، إجابة صاحب المطعم ليصنع منها نكتة تعبّر عن واقع كالح غامض الملامح يشقى فيه كل ذي عقل سليم. توفي الوردي عام 1995. ومعنى هذا أنه شهد بعض أحداث العقد الأخير من القرن الماضي، وشهد جزءا من فصول تراجيديا عربية ما زالت مشاهدها تتوالى إلى هذا اليوم. وهي تراجيديا لا يستطيع الفكاك من أحزانها إلا من فقد عقله. وكانت مشكلة علي الوردي عقله وما يخزنه من أفكار سابقة لزمانها، فإما أن يفقده فيستريح، أو أن يعبر عن احتجاجه على شكل نكتة لا يحاسبه عليها أحد. رحل الوردي في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، وأراح دماغه من تأمل نتائج تصرفات المجانين الذين يعيشون خارج المصحات العقلية ويديرون شؤون البلاد والعباد. ولنا أن نغبطه على ذلك، تماما كما غبط هو صاحب المطعم. وإذا كان الجنون، كما يقول ميشيل فوكو في كتابه (تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي) عبارة عن اختلال في السلوك ينزع نحو الغريب والشاذ، وأنه اندفاع نحو المجهول، أو نحو عالم اللايقين الرهيب الموجود خارج كل شيء، إذا كان الأمر كذلك فإنه يصعب تبعا لهذا التعريف التمييز بين من هو داخل المصحة العقلية ومن هو خارجها. فكل الأحداث والوقائع التي مرت بها المنطقة العربية خلال العقود الثلاثة الفائتة تدل على اختلال في السلوك، واندفاع نحو المجهول، ويبقى من هو داخل المصحة العقلية أقل خطرا على أية حال. تناول الكتَّاب قديما سيرَ مجانين الحب الذين عبث الغرام بعقولهم، وجُنَّ كل منهم على طريقته الخاصة. وقد اختفى، الآن، هذا اللون من الجنون، ولم نعد نتناول، هذه الأيام، إلا سير مجانين العظمة.. ومجانين الكراهية! hsn_saba@hotmail.com