خالد الشريدة
الفضاء «النتّي» أصبح مغريا لكل من يطمح للكتابة، وفي ذلك ظاهرة صحية بصورة نسبية، إذا ما نظرنا الى الأمر من زاوية تحقيق تفاعل إبداعي أو إنضاج مهارات لغوية وكتابية، ولكن المشكلة في عدم توفر الرؤية النقدية التي تقول للمحسن «أحسنت» وللمخطئ «حسبك»، فالنقد في المشهد الأدبي عامة أصبح المفقود الأكبر الذي يعز على كل الإنتاج الأدبي، ناهيك عن كتّاب الإنترنت.هذا الوضع أنتج آلاف المدونات والمنتديات التي يجد فيها هواة الكتاب متنفسا ومجالا للبوح وممارسة فضيلة الكتابة، غير أن الحابل اختلط بالنابل، وأصبحت تلك المواقع تعج بالغث والسمين، فمن يكتب كلمتين، يقال له «صح لسانك» في حين يمكن أن تلحظ ببساطة ركاكة مزمنة في الأسلوب، والأدهى وأمر أن الكارثة الحقيقية في ذلك الفضاء هو الأفكار التي يتم تناولها وطرحها، واتذكر أن مدونة لاتكتب الاعن الازياء الفرنسية والعطورات والمطر ناهيك عن المادة الجنسية الدسمة بين هذه السطور، ويفتح فيها نوع من الخيال الأحمق الذي لا يرقى للصورة الأدبية والثقافية الموضوعية، ولست أطالب أولئك الصغار فوق طاقتهم ومستويات إدراكهم، ولكن تعرضهم للأساليب الأبجدية في الكتابة والعناية باللغة على نحو ما درسوا من النحو وفنون البلاغة في المدارس يفترض أن يضعهم في مرتبة كتابية مناسبة.ولكن الشاهد أن تلك الكتابات خالية من المضمون الموضوعي لعدم التوجيه، وهي تنضح بما عليه عقول أولئك التي تدور رحاها في الجنس حتى ليخيّل اليك وكأنك عندما تدخل مدونة أو منتدى كأنك في كباريه أو ملهى أو على أبواب وكر ما، ويضاف الى ذلك المستوى اللغوي المنحدر الذي يعاني خللا كبيرا في الإملاء والنحو والفكرة الموضوعية، إنها مشكلة حقيقية تلك التي تجري في عالم الانترنت، فالجميع أصبحوا كتابا ولكن للأسف في درجة متأخرة، ولولا بعض الإشراقات التي يمكن أن تجدها مبعثرة في ثنايا المدونات والمنتديات لقلت على الدنيا السلام، فكما هناك الرديء مما يقدم كتابيا هناك محاولات تبحث عن تطوير الذات وفكرها ولغتها، وهي محاولات جادة وجميلة ولكنها تضيع مع الزبد الكثيف الذي تنضح به تلك المواقع، ويا ليت يتداخل الأدباء والكتاب مع تلك المدونات والمنتديات الناشئة حتى يحققوا لها توازنا تفتقده بشدة فذلك وحده كفيل بمعالجة العبث اللغوي والكتابي الذي تطفح به تلك المواقع.