خليل الفزيع

خليل الفزيع

فيلم «العطر» أو «قصة قاتل» هي قصة ذلك الفتى الغريب الطباع «غرنوي» الذي يتمتع بموهبة فائقة في شم الروائح، وتتبعها، وتفسير معانيها، ويغدو بسببها قاتلاً، وبقناعة تامة بأنه يستمد من أجساد ضحاياه مادته العطرية المنشودة، ويبرع في تركيب أصناف فريدة من العطور التي يستعصي على غيره الوصول إلى أسرارها، وفك رموز كيميائياتها، وهذه الحكاية البسيطة، استطاعت بخصوصية اللغة الرائعة، وقوة السرد المذهلة الغوص في أعماق الشخصية وهواجسها وعقدها وآمالها وغرائزها، لكن هذه التحفة الفنية لم تتح تفاصيلها لمخرج هذا الفيلم ، تقديم أحداثها كاملة، وكما يبدأ الفيلم بذروة درامية ينتهي أيضاً بذروة درامية أخرى حين يصبح «غرنوي» أمام الجماهير الغفيرة ليواجه حكم الإعدام، وهذا المشهد الأخير لا يمكن لكاتب أن يجاري الصورة فيه، لقوة تأثيره وطغيان حركة آلاف الناس في حالة غشيان وذهول، أمام هذا الإنسان الضعيف البنية، وهو يواجه مصيره، لينقذ نفسه بالعطر الذي توصل إلى تركيبته المعقدة، وهو نفس العطر الذي قضى عليه بعد ذلك.ومن قرأ هذه الرواية للألماني «باتريك سوسكيند» سيخرج بانطباع شديد اليقين بأن هذه الرواية يصعب إنْ لم نقل يستحيل تحويلها إلى فيلم سينمائي، وهذا تصور أكده المؤلف نفسه عندما صرح باستحالة تحويل هذا العمل الأدبي إلى عمل سينمائي، إلى أنْ تحقق ذلك بعد مضي واحد وعشرين عاماً على ظهورها بأحداثها الأقرب إلى المستحيل منها إلى الممكن، وقد تمكن المخرج «توم توكفير» من تحويل هذه الرواية التي تعتبر أنجح رواية ألمانية معاصرة.. إلى فيلم سينمائي، وليس من السهل تصور إمكانية التعبير عن الروائح والعطور التي تقوم عليها الرواية، من خلال المشاهد السينمائية، ما لم يكن المخرج عبقريا بالفعل.جان «باتيسته غرينوي» المولود عام 1738 في المكان ذي الرائحة الأبشع على وجه الأرض، في مزبلة سوق السمك وتحت طاولة تنظيف السمك، من أم بائسة تعمل في شارع قذر، حيث فضلات الأسماك التي تعمل على تنظيفها تجسد القذارة، وكان في نيتها أن تتركه مع تلك الفضلات كي يموت ويلقى به في النهر مع نفايات السوق، وهذا ما فعلته مع أربع ولادات سابقة، لكن افتضاح أمرها، والقدر الذي سيرافق هذا الطفل قد ساقاها إلى الإعدام، أما الطفل الأعجوبة فقد تنقل بين المرضعات اللواتي كن يلفظنه دون أسف، لما يبثه فيهن من الرعب والقشعريرة، ولم تقبل به سوى مرضعة، لا تشم ولا تشعر، وكأنها ميتة من الداخل، كان هذا الطفل يمتلك حاسة شم فريدة، ساعده على تطويرها العطار «بالديني» الذي علم «غرينوي» كيف يستخلص المرء العطور ويحفظها، واستفاد منه للتخلص من منافسيه، لكن هدف «غرينوي» كان أبعد من كل تصور، لقد قتل العديد من النساء الشابات ليستخلص منهن خلاصة العطر النقي، عطر الحب، العطر الذي يستطيع السيطرة به على الآخرين بعد أن بدأ سلسلة جرائمه ببائعة البرقوق التي كانت فاتحة عهده في البحث عن عطر العطور، حتى إذا ما أدين في النهاية بقتل النساء، واستحكمت حوله قبضة العدالة، تحول المتفرجون الحاضرون لمشاهدة عملية إعدامه، إلى عشاق لا أحد يستطيع وصف مشاعرهم غير العبقري «سوسكيند» وهم ينظرون بعطف لذلك القاتل الغامض الدموي والعبقري في فظاعته، والبشع ولكن ليس إلى درجة الاشمئزاز؟ وكان انهيار المشاهدين مشهداً غريباً وفريداً، بفعل العطر الذي يشارك «غرينوي» بطولة الرواية، فهما المحركان الرئيسان لأحداثها، وما يتبع هذه الأحداث من تداعيات مختلفة ومحيرة وقاسية ومقززة.. «غرينوي» بأفعاله الشيطانية القاسية من جهة، والعطر بتأثيره الطاغي والمعربد والعابث بالمشاعر من جهة أخرى. فأيهما هو القاتل؟ بعد ثلاث سنوات من الاستعدادات والتصوير تم عرض فيلم «العطر : قصة القاتل» فهل حقق هذا الفيلم من النجاح ما حققته الرواية؟ إنه رهان صعب يمكن وضعه في سياق العلاقة بين الرواية بكل مضامينها الفكرية والأدبية، والسينما بكل إمكانياتها الفنية والتقنية. khalfizaia@alyaum.com