مطلق العنزي

مطلق العنزي

لست ضد أن يبدي أي إنسان رأيه في أي موضوع على أن يكون رأياً علمياً راشداً وليس انطباعياً، ولا «يركل من تحت الطاولة» ولا ببغائياً ولا حزبياً ولا مصلحياً.هنا يصبح رأياً قد يكون خطأ أو صحيحاً. ولا نغضب منه ونقارعه بالحجة.ولكن الذي يستفز المرء هو الآراء «الملغومة» التي تعرض رأياً ومبررات وتهدف إلى نقيضة تماماً.الممثل المصري الشهير حسين فهمي، على الرغم من أنه كثيراً ما يدلي بآراء عاقلة، وليبرالية راشدة، فإنه، وأحسبها زلة، قد «أفتى» في مسألة حجاب الممثلات. و«ركل الظاهرة» من تحت الطاولة. وقد وصف عودة الممثلات المحجبات إلى الشاشة بقوله في مقابلة صحفية «وتكون عودتهن بالحجاب بألوان “فاقعة” بموديلات غريبة». لكنه في هذه الزلة قد «غمز» أو «أوحى» بأن أذواق الممثلات أصبحت سيئة بعد تدينهن وتحجبهن. وهذه ركلة لعالم التدين، وعدوان مبين على حرية الإنسان في أن يلبس المرء ما يشاء إن لم يكن لباسه يعتدي على حرية الآخرين أو يهينهم. وشخصياً أعتبر «فن الإيحاء» أبلغ تأثيراً من المباشرة الفجة.لا أعلم ما يضير حسين فهمي في ألوان أو أحجبة، خاصة أن أذواق الناس تختلف، فيوجد نساء لسن محجبات ويلبسن ألوانا فاقعة وغريبة، من وجهة نظرنا. مع أن الألوان والغرائب مسائل نسبية، فكون مظهر غريب عند شخص أو عند مجموعة من الناس، لا يعني أنه غريب لدى آخرين. فالساري الهندي قد يكون غريباً في مضارب العرب وفي أوروبا، ولكن ليس غريباً لدى مليار إنسان في الهند وليس عيباً. ولباس قبائل أفريقية غريب في أوروبا وعندنا لكنه ليس غريباً في النصف الجنوبي الأفريقي بأسره، فقبعة «أنجويا» وتنورة «ابيشو» التي يرتديها رجال الزولو من جلود الحيوانات المفترسة، غريبة بالنسبة لنا، لكنها في تقييم أي مثقف ذي حس إنساني وعدالة لا تعني عيباً في رجال الزولو المحاربين الذين أمضوا قروناً وهم يدافعون عن كرامتهم ومقاومة جرائم الرجل الأبيض ودونيته وأطماعه، حينما كان الرق، اختراع الرجل البيض، الأكثر مهانة في التاريخ البشري، في أوج اشتعالاته.وإذا كان اليمين الحاكم في فرنسا، مثلاً، يعزف على وتر الحجاب، لأمر في نفس نيقولا ساركوزي، و«جماعتنا» يطبلون، فهذه أعلى درجات الاستلاب الثقافي والفكري. لان «حرب الحجاب» في أوروبا وفي تركيا حرب سياسية وليست فكرية، مهما ألبسوها من مسوح الفكر والتنظير. وعادة يأتي السياسيون بمبررات لقراراتهم أو المشروعات التي يطرحونها. وهم، السياسيون الليبراليون ما غيرهم، يمارسون حملة تضليل واسعة النطاق ومعمرة في أوروبا، لتعمية مواطنيهم، عن حقوق مواطني العالم الثالث الذين نهبت ثرواتهم. ويواصل دعاة حقوق الإنسان والعدالة والديمقراطية «موشحات» التضليل ويشنون باسم هذه المثل حروبا انتقائية في جغرافيا الدنيا الواسعة.ويتبجح الليبراليون بأنهم يدافعون عن حقوق الإنسان وحريتهم، ومنهم كثيرون صادقون يوفون بعهودهم. ومنهم كثيرون «ببغاوات» يرقصون على طبول غيرهم. ويستخدمهم الطبالون ويستغلون طاقاتهم القتالية وعبقرياتهم الخطابية للترويج لشعارات تحررية، لكنها موظفة، عملياً لاستلاب الحقوق. وتستمر حفلة «رقصني يا جدع» على طريقة انتشاء الممثلين المصريين في أفلام المقاولات. وتحتاج حكاية «فوبيا الحجاب» هذه إلى مناقشة أخرى. وتــــرالجوعى يتضورون..تتقلب أنظارهم في السماء، وتتدفق دموعهم، مثلما تتدفق «الأنخاب» الثمينة من الموائد الليلية الباذخة التي يحييها حقوق الإنسان.وسفير «النوايا» الأممي يعود من مضارب العوز، ليبدي أسفه، ثم ينغمس في موائده وأنخابه واحتفالاته ويخلد إلى النوم العميق الهنيء.والجوعى يتألمون، منتظرين سفيراً آخر، ويرهفون السمع لأنباء السفراء والموائد.malanzi@alyaum.com