حسن السبع
على عهدة بول آردن، أسطورة فن الإعلان، فإنه "إذا واتتك فكرة ما، فعليك أن تفكر في نقيضها". وقد استخدم آردن تلك العبارة في سياقات مختلفة، لكنها جميعا تقترح عدم الخضوع للانطباع الأول، أو الانسياق وراء جاذبية المألوف، أو الإصابة بعدوى الهرولة الفكرية. قد لا يكلفك هذا الاقتراح شيئا، وربما تعود إلى الفكرة الأولى وأنت أكثر ثقة بها. فهنالك، دائما، زوايا أخرى يمكن النظر من خلالها، زوايا تتيح لنا رؤية ما وراء الأكمة. قد تقرأ لكاتب يدعي البحث عن الحقيقة المجرَّدة، إلى درجة أن الحقيقة المجردة قد استغاثت من كثرة ما رددها في كتاباته. وإذا لم تترك للانطباع الأول أن ينومك تنويما مغناطيسيا، فقد تكتشف أن الحقيقة المجردة التي يريد صاحبنا أن يقودك إليها، لتنعم بالدفء في أحضانها، إنما هي الحقيقة التي تتناغم مع قيمه الاجتماعية والثقافية . أو هي، باختصار ، حقيقته الخاصة التي تم تلقينه إياها، حتى ألِفها وألِفته. وما يقال عن سادن الحقيقة المجردة، يمكن أن يقال، كذلك، عن حامل لواء الموضوعية والذائد عن حياضها. وإذا كانت الموضوعية، كما تعرفها المعاجم، هي رؤية الأشياء على ما هي عليه، وإعطاؤها صفتها التي تستحقها دون تحيز، فحاولْ أن تلامسَ حقيقةً واحدة من حقائقه الخاصة بنسمةِ نقدٍ رقيقة، وستراه يرقص رقصةَ حربٍ بدائيةً عاريا إلا من ورقة توت. فإذا حمي وطيس الحرب، فإنك لن تظفر من تلك الموضوعية التي أنهكها مغازلة إلا على أشلائها. "إنها الحقيقة الناصعة اللامعة".. عبارة إنشائية تطرق آذاننا كل يوم، يحلو لبعض المفوهين أن يرددها تعزيزا للفكرة التي يسوّقها، ولكن.. "ليس كل ما يلمع ذهب"! كما أنه لا يوجد هذه الأيام أكثر بريقا ولمعانا من اللافتات والعناوين الأيديولوجية والحزبية والانتخابية.. فإذا رأيتَ صورة "ليث" تلك اللافتات والعناوين هاشَّةً باشَّة، و"نيوبه" بارزة "فلا تظنَّ أن الليثَ يبتسم"! وإنما يحاول بهذه الابتسامة التسويقية أن "يضحك" على ذقون المستهلكين الذين يعدهم بلبن العصافير، وحليب الجراد، فإذا تحقق له ما أراد، أهداهم أغنية فاضل عوّاد: "لا خبر.. لا جفّيّة.. لا حامض حلو.. لا شربت"! مع ذلك، أتمنى أن لا يفهم من كلامي هذا أنه دعوة لكي نفكر على طريقة "لزوم ما لا يلزم". فقد تكون الأمور غاية في الوضوح والبساطة، ولا تحتاج إلى كثير من التذاكي، أو الذهاب بسوء الظن بعيدا، وطرح افتراضات لا وجود لها. فنشارك بتلك الريبة المطلقة بقية الأشقاء المصابين بفوبيا الارتياب.hsn_saba@hotmail.com