خليل الفزيع
الجوائز العالمية تسهم بجهد وافر في تقريب الثقافات وعميق التواصل بين الشعوب، وتأكيد عالمية العلوم والآداب والفنون، باعتبارها إرثا حضاريا وهو ليس وليد اللحظة، بل هو تراكم حضاري لتجارب وإبداعات الأمم والشعوب على امتداد التاريخ، ومن حق هذه الأمم والشعوب أن تستفيد منه وأن تسهم في إحيائه وتطويره، لتكون الفائدة اعم وأشمل، وأكثر مواءمة لروح العصر وانسجاما مع معطياته وتطوره، وقد أسهمت المملكة بعدد من الجوائز العالمية التي كان لها صداها الواسع في العالم، بعد أن انطلقت من هذه الأرض الطيبة، لا تعرف حدودا، ولا ميولا سياسية، ولا توجهات مصلحية لكسب إعلامي أو غيره، بل ظلت خالصة لهدفها الأساس، لتكتسب سمعة عالمية نزيهة بعيدة عن الالتباس والشك، وفي المقدمة جائزة الملك فيصل العالمية، التي فاز بها علماء وباحثون ومبدعون من دول مختلفة. وآخر درة في عقد الجوائز التي تقدمها المملكة للعالم ـ ولن تكون الأخيرة بإذن الله ـ هي جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للتراث والثقافة، وتأتي هذه الجائزة انسجاما مع دعوته حفظه الله للحوار المتكافئ بين دول العالم، لتحقيق التقارب بين هذه الدول ولتترجم التوجه الإنساني لهذه البلاد وحرصها على إشاعة الحوار بين الأمم والشعوب والديانات والمذاهب، بعيدا عن الأزمات الطاحنة التي تعصف بعالم اليوم، بما في ذلك التسلط والطغيان والعبث بمقدرات الشعوب واحتلال أراضيها وتشريد مواطنيها، إضافة إلى السعي لنبذ الظواهر السلبية كالغلو والتطرف والإرهاب وهي ظواهر يدفع العالم ثمنها غاليا من أمنه الإقليمي وسلامه العالمي، وهذه الجائزة التي هي في الحقيقة جائزتان واحدة للتراث والأخرى للثقافة، أقول ان هذه الجائزة تحيل المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) إلى العالمية، بعد أن شهد تطورا لافتا في سنواته الأخيرة، وفي دورته الأخيرة وهو في سنته الخامسة والعشرين هذا العام استضاف فرنسا لتأكيد أهمية التواصل بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وهو تواصل تمليه المصالح المشتركة، مستمدا جذوره من تاريخ طويل حافل بالمنجزات الإنسانية الإيجابية بين الحضارتين.وقد كان للحضور الفرنسي في مهرجان الجنادرية هذا العام أثره في التعريف بالجوانب المشرقة للنهضة المباركة في هذه البلاد، بعد أن ظل الغرب خاضعا لسياسة إعلامية مضلله ترسم ملامحها وتقودها الصهيونية العالمية التي يقض مضاجعها أن يكون لأي بلد عربي حضوره الإعلامي على المستوى العالمي، ومثل هذه اللقاءات الثقافية بين الدول الغربية والدول العربية سوف يسهم حتما في تجسير الهوة بين الثقافتين العربية والغربية، وهي هوة يعمل اللوبي الصهيوني على تعميقها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ومن المهم وجود أي مبادرة إنسانية خيرة كهذه الجائزة، لتتضح الصورة أمام الرأي العام الغربي، بعد أن ظل أسير الدعايات الإعلامية الصهيونية، وأباطيلها الممعنة في الحقد والاستعلاء والعنجهية. وتأتي هذه الجائزة بأهدافها الكونية الواسعة.. لتشكل إضافة إنسانية رائعة لجهود خادم الحرمين الشريفين في خدمة هذه الأمة، وإعادة مجدها كمركز إشعاع ثقافي يمكن أن تستنير به مختلف الأمم والشعوب، ويستفيد منه الباحثون في مجالات العلوم الآداب والتراث، بما تحمله هذه العلوم من استشراف للمستقبل وما تضيفه هذه الآداب من تأكيد لهذا الاستشراف، وما يعنيه التراث من الاستعانة بالماضي كأحد عوامل مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، إضافة لما تقدمه للباحثين في جميع أنحاء العالم من حوافز لمواصلة البحث والدراسة في مجالات التراث والثقافة، فيما يخدم أمن وسلام العالم، ويسهم في خدمة البشرية، وإزالة عوامل العزلة بين الدول.khalfizaia@alyaum.com