محمد العلي
ـ من أقام ويقيم الأصنام؟ـ الوهم..ـ من أشاد الأهرام؟الوهم.ـ من عدد المذاهب؟ـ الوهم- من قال إن الشمس تدور حول الأرض؟- الوهم.ـ ما هو الوهم؟ـ هو أن تحسب اللاشيء شيئا.. أن ترى اللاواقع واقعا.. أن تبصر ما لا يبصر.. أن تتخيل العدم وجودا.هو أن تبني حياتك ومعرفتك وسلوكك على أساس كذبة كبيرة ليس لها واقع مادي أو أصل حقيقي.. ولكنها تصبح قاعدة وقانونا وعرفا وتقاليد لك ولمن جاء بعدك من أجيال.إن القناعة بهذا لا تحتاج إلى أكثر من نصف نظرة إلى التاريخ الإنساني: كيف بدأ وكيف استمر صاعدا سلم اقتناص المعرفة.. وما هي صحارى وكهوف الأوهام التي تاه فيها طويلا حتى استطاع أن يحرر ذهنيته من القيود التي كبلته بها المسافات التي قطعها باحثا بظمأ عن الإجابة عما يختلج في نفسه من الأسئلة.وهو لم يترك تلك الأسئلة عطشى إلى الإجابة، بل أجاب عن كل سؤال: إما بسؤال أعمق منه وأشمل أو بجواب مخدر.. جواب سرابي (يحسبه الظمآن ماء) وقد تركت هذه الحالة آلاف الأساطير.. تلك التي كان طريق الوهم إليها أقصر كثيرا من طريق العقل.لم يصل الإنسان إلى مرحلة التعليل والبحث عن السبب إلا بعد ملايين السنين.. وحين وصل هذه المرحلة كان العقل طفلا بعد.. وكان الوهم أسرع منه وصولا.. فراح يجيب عن أسئلته بما يدفقه من سراب ولم يدرك ذلك إلا بعد أن بدأت شمعة الفلسفة في الاشتعال البطيء.. وراحت تربي العقل شيئا فشيئا.. وعلى الرغم مما أعطته الفلسفة آنذاك من ضوء خافت إلا أنها دربت العقل على المشي.إن أهم أبواب الوهم التي بقيت تتلقفنا حتى الآن هو باب ثبات الأسباب.. ذلك لأن الأسباب يفرزها واقعها.. وقد تختفي.. لأن الواقع يتغير ثم تتولد أسباب أخرى تولد مسببات أخرى.. ولكننا نبقى نعلق المسببات الجديدة على الأسباب التي انقضى واقعها فقضت معه.. ونبقى أسرى أسباب ماتت.يقولون: (الفرق بين الخيال والوهم أنك تعرف الخيال وتعرف أنه ليس واقعا.. أما الوهم فأنت لا تعرفه ولا تعرف مناقضته للواقع) إن قوة الوهم أضعاف قوة الخيال.. لأنك في موج الخيال تبقى عيناك على الشاطئ.. أما في الوهم فلا شاطئ حتى تراه.ولكنك حين تريد معرفة ما يفعله الخيال بالوهم.. فما عليك إلا أن تقرأ قصيدة (شارع في جدار) للشاعر الجميل علي الحازمي.. فهناك تقودك القصيدة إلى حدائقها وتترك فيك دهشة جمالية آسرة حين ترى الخيال يلعب بالوهم لعب شادي فيروز.Mali@alyaum.com