محمد العلي
كثير – وانا منهم – كانوا يظنون ان ورود مفردة (حداثة) في التراث يسوغ لنا الادعاء بأننا قد سبقنا الغرب في طرح هذا المفهوم.. مفهوم الحداثة – حسب الترجمة التي هي دائما خائنة – وهذا ما اقصد من انه كان وهما.اطلق اللغويون القدماء على بعض الشعراء لقب المحدثين (يروى بفتح الدال وكسرها) لأنهم ابتدعوا في الشعر ادخال بعض المحسنات الشكلية.. ولم ترد لفظة حداثة في اساليبهم على الاطلاق.. بل وردت في وصف الانثى.. اذ يقال لصغير السن حدث ولصغيرة السن (حداثة) نقيض كبير وكبيرة.هذا الوهم دفعنا الى اليقين الزائف بأن لنا الحق في ملكية العديد من المفاهيم التي استسقيناها من سحائب غيرنا.. بل مع المنة عليهم لأننا مصدر ذلك السحاب : فالديمقراطية اخذوها من الشورى.. وحقوق الانسان اخذوها من الاخوة.. وحقوق الحيوان اخذوها من الرأفة.. اما الحرية فقد اخذوها من معنى الفطرة.. وهكذا.. وهذا ما سماه داريوش شايغان (ادلجة التراث) اما انا فأسميه (عصرنة التراث) أو (الاسقاط الأبله).كيف نشأ هذا الوهم؟نشأ من كيفية فهمنا للغة .. ان فهمنا اللغوي قائم على اساس ان معنى المفردة يولد كاملا.. ويبقى كذلك في (سماء المطلق البيضاء) عابرا للتاريخ والجغرافيا.. حيا كما ولدته امه – رحمها الله – وهذا فهم يناقض مفهوم اللغة مناقضة صارخة.وهذا الوهم يطرح ما يعنيه في اذهاننا مفهوم السبق.. والسبق – وان كان مهما – الا انه مفهوم يعني بداية فكرة ما .. ولكنه لا يعني ان مجرد التشابه فيما تعنيه لفظتان من لغتين مختلفتين.. انهما تعنيان معنى واحدا .. وحتى لو كان ذلك.. فهو لا يعني الاستمرار والصيرورة والتطور من لفظة لغوية قاموسية الى مفهوم يشترك في بلورته التاريخ والجغرافيا.. وحتى لو كان ذلك.. واعتبرنا ان الخطوة الاولى هي الخطوة الاخيرة.. فإن نفس الخطوة قد تكون في غير الاتجاه الصائب .. وما اكثر ما في تراثنا من الخطوات الاولى على الطريق الخطأ.ما هو الافق المعرفي الذي نشأ فيه التراث علما وادبا وفنا واحلاما؟ انه افق لفظي .. كل المعرفة كانت حشدا من الالفاظ .. لقد كان اللفظ هو السيد حتى اصبحت اللغة هي التي تسيطر على ذهن الانسان لا العكس.لنضرب مثلا :هل هناك افصح تجسيدا للوجدان البشري والحس الانساني افضل من الحب؟ الحب بكل اشكاله وابعاده.. ثم هل هناك خصوصية اعمق من الحب بين الرجل والمرأة حين تلاقي النصفين – كما ترى الاسطورة – وهل هناك تعبير افصح عن ذلك الامتزاج من الغزل؟ طبعا (لا)..ولكن ضع الغزل العربي في ميزان التقييم.. لا شك عندي ان بعض الشعراء كان يتوهج حبا.. ولكن حين يحاول التعبير عن هذا التوهج ينفصل عن نفسه – الا نادرا – ويسلك النهج السائد عند الشعراء الاقدمين.. فقد يكون هذا الشاعر اندلسيا لم ير في حياته طللا.. ولكن حين يأتي الى الشعر ليبث اشواقه اصبح وكأنه لم ير نهرا ولا شجرا حتى لو كان محبا اكثر من ابن زيدون.. نعم هناك سلسلة من الشعر القديم كبلت وجدانه ورمته في زنزانتها اللغوية.لكن لماذاMali@alyaum.com