خليل الفزيع
كثيرًا ما تقابل الندوات والمسلسلات التليفزيونية والأعمال الروائية والمقالات الصحفية التي تحاول تعرية الواقع من زيفه، بشيء غير قليل من الاستنكار والاحتجاج على هذه الجرأة في الطرح، وهو استنكار في غير محله، واحتجاج يذكّرنا بالنعامة وهي تدفن رأسها في الرمال إذا شعرت بالخطر، فهذه الأعمال ليست سوى جرس إنذار ينبه الجميع لتدارك الأمور قبل استفحالها، ومهما كانت درجة الصراحة، ومهما بلغ مستوى القسوة في هذه الأعمال، فليس من الحكمة رفضها بحجة أننا مجتمع مثالي، إذ لا يوجد في الكون كله مجتمع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، سوى مجتمع الملائكة، ونحن لسنا ملائكة، بل بشر لنا حسناتنا وذنوبنا .. انتصاراتنا وهزائمنا .. سلوكنا القويم ونزواتنا المنحرفة، ولا مفرّ من التسليم بوجود الخير والشر وهذه إرادة الله في خلقه، ولو شاء لخلق الجميع بلا أخطاء، وحينها لن يكون للتوبة والغفران معنى، ولا للجنة والنار مكان.إن بعض المثاليين جدا لا يترددون في رفع أصواتهم الصاخبة، ليعلنوا أن مثل هذه الأخطاء التي يتم الكشف عنها في تلك الأعمال، هي أخطاء غير موجودة في مجتمعنا، وهذا أمر فيه تزييف للواقع، وعدم شجاعة في مواجهة هذا الواقع، وكثيرًا ما أدى المسكوت عنه إلى أمور لا تحمد عقباها، والمشاكل الاجتماعية ليست سوى أمراض لو تمت معالجتها في وقت مبكر لما وصلت إلى ما وصلت إليه من مراحل متقدمة يصعب علاجها، وما المكاشفة والصراحة وتعرية الواقع سوى وسيلة لتشخيص هذه الأمراض ليتم علاجها بعد ذلك على أيدي المختصين.الطرح الصريح لكل القضايا الشائكة وسيلة لتجاوزها بالعلاج، وليس بالتجاهل، ومهما قسا النقد في مثل هذه الأمور فلا يمكن النظر إليه إلا من باب الرغبة في الإصلاح، على أن يخلو من الشخصانية، فالظواهر الاجتماعية السلبية لا يمكن ربطها بفرد بعينه، لأنها نتائج ثقافة عامة ترسّخت في وجدان المجتمع، وتجذرت في أعماقه، وتغييرها لا يتحقق بالاتهامات الشخصية، ولكن بالنظرة الجماعية الواعية والمدركة لحقيقة الموقف وأبعاده وسبل علاجه، والعمل على تجاوز عقبات هذا العلاج.لا جدوى من الحساسية المفرطة في حالة التعاطي مع الواقع المعاش، وهو واقع متخم بالسلبيات، ثم إن هذا لأنه ليس ملكا لأحد، بل هو هم جمعي عام، سواء قبل أو رفض من فئات بعينها، فئات تعتقد أن ذواتها محصّنة من الزلل، بينما قد تكون ـ هي قبل غيرها ـ غارقة في كل أنواع الزلل، وما ادعاء الفضيلة بالقول ـ لا بالعمل ـ سوى انحراف في الشخصية يقتضي إعادة النظر في أي موقف رافض لعلاج الواقع بما يحتاجه من الشفافية والوضوح، تجاوزا لما هو كائن، ووصولا إلى ما يجب أن يكون.وإنكار المثالب لا يؤدي إلى زوالها، لأنه نوع من التكريس لتلك المثالب لتصبح في النهاية ظواهر ثابتة في سلوكيات جميع أفراد المجتمع، فلا يعني التجاهل نفيا تاما لوجودها، لأنه اعتراف ضمني بها، وهذا الاعتراف الضمني يفترض أن يقلب حقيقة الموقف السلبي ليصبح موقفا إيجابيا، هدفه الحد من خطورة تلك الظواهر، والقضاء على أسبابها وعوامل انتشارها.معرفة الأخطاء لا تحتاج إلى جهد لأنها واضحة للعيان، لكن المهم هو الاعتراف بها، ومحاولة علاجها، لتسير الحياة في الاتجاه المقدّر لها أن تسلكه. khalfizaia@alyaum.com