خليل الفزيع

خليل الفزيع

ما من معركة يشتد أوارها إلا ويكون وراءها باعث وسبب، لكن ربما ترتكب بحسن نية، وربما بسوء نية، ولأن ما في الضمائر لا يعلمها إلا الله، فإننا نفترض دائما حسن النية حتى يثبت العكس، وما تشهده ساحتنا الإعلامية من تناحر بين بعض الكتاب وبعض علماء الدين أمر يحتاج إلى إعادة نظر من الطرفين مادام الهدف هو الإصلاح، وقيادة سفينة الإصلاح لبر الأمان مهمة تتولاها الدولة مستنيرة بآراء المخلصين من أبناء الوطن في جميع مواقعهم وأطيافهم، مادام يجمعهم انتماء وطني عميق، وولاء للقيادة الحكيمة، فالهدف واحد وإن تعددت أساليب الوصول إليه.ومع التسليم بألا أحد يكن عداء للآخر وإنما هو الاختلاف في الرأي، والاجتهاد في تفسير النص، فإن ثمة أخطاء ترتكب وتؤدي إلى تصعيد الصراع بين الطرفين، رغم أن الهدف واحد ـ كما قلنا ـ وهو الإصلاح وإن تعددت السبل. فالكتاب عندما يبدون بعض الملاحظات حول مواقف علماء الدين وفتاواهم واجتهاداتهم، يظهر بين هؤلاء العلماء من يعتقد نفسه فوق النقد، وتقوم قيامته ولا تقعد، معتقدا أنه وحده الذي يملك مفاتيح الحقيقة، وكذلك عندما يبدي بعض علماء الدين شيئا من ملاحظاتهم على ما يطرح بأقلام الكتاب، تثور ثائرة بعض هؤلاء الكتاب ويرون في ذلك تجاوزا لا يجوز تمريره، ومن هنا يبدأ تصاعد الحوار ليأخذ منحى غير منحاه فترتفع وتيرته، ويتصاعد حتى يتحول إلى تناحر يتطاير شرره ليصيب كل من حوله، ولو لجأ كل طرف من الطرفين إلى الحكمة في معالجة الأمور ، لما وصلت الحال إلى الإساءة والاتهام والتجني، وبين من ؟ بين علماء هم قدوة للتسامح أو هكذا يفترض أن يكونوا، وبين حملة القلم الذين هم أيضا قدوة لصناعة الرأي العام وقيادته، أو هكذا يفترض أن يكونوا أيضا، ولو أنصف الطرفان أنفسهم وقراءهم، لابتعدوا عن سلبيات هذا الطريق المليء بالمنعطفات الخطرة، احتراما لأنفسهم أولا واحتراما لما يمثلونه من قيم الفضيلة والتسامح والحوار المنطقي السليم.فليس من الحكمة أن يشهر أحدهما سلاحه في وجه الآخر ، غير عابئ بالنتائج وما قد يجره ذلك من خلافات تقود إلى الفرقة والاستهانة بوعي الناس وفهمهم للحياة ومتطلباتها ومتغيراتها، وما يجري على صفحات الصحف وعلى شاشات بعض الفضائيات لا شأن له بالحوار ، لكنه نوع من التلاسن الذي لا يحقق هدفا ولا يصل إلى غاية، سوى التفرق والتناحر ، وهما هدفان لا أحد يرغب في الوصول إليهما بأي حال من الأحوال.هذا التناحر إلى جانب سلبياته، يعطي انطباعا سيئا عن الإسلام الذي يتحدث باسمه الطرفان، وهما ما بين مجدد ومقلد، لكن بشيء غير قليل من الحدة والعنف والتشنج، ما لا يتفق وسماحة الإسلام وخلق المسلم، وواجبات الاخوة في الوطن والدين وربما النسب أحيانا.تناحر لا يوقفه سوى أن يتخلى كل طرف عن التصعيد والشك في الآخر ، واعتباره عدوا لدودا، بل اعتباره شريكا في المواطنة والإصلاح والإسهام في البناء التنموي الشامل، الذي يسعى إليه كل مواطن غيور على سمعة دينه ووطنه.khalfizaia@alyaum.com