محمد العلي

محمد العلي

كل مشكلة اجتماعية تكشّر عن بشاعتها تحتشد الأقلام الصحفية المأذونـة.. وتلك التي تتحرق للإصلاح أو تحاول الإضاءة للطريق إليه.. وتتصاعد النداءات المارة والاستغاثات الشبيهة بالدمع .. وما هي إلا خفقة جناح وإذا بكل ذلك قد انطفأ وساد رماد الصمت.لماذا؟هل هو اليأس من الجدوى أم هو مجرد الملل أم العجز عن الاستمرار أم الركض وراء مشكلة أخرى أكثر أنيابا .. اندلعت فجأة أمام تلك الأقلام .. لم تكن سافرة من قبل؟الشوط – مهما تحمّس – لا يصنع قرارًا إلا في الميادين الديمقراطية.. أما تلك التي لم تصل بعد إلى هذا المستوى فهي التي يمكن أن يحدث فيها اليأس أو العجز أو الركض بين المشكلات المتقافزة (مثل أحصنة لم تروّض) ولكن هل يصح أن يكون حدوث هذه النتائج سببا لوقوف الأشواط في منتصف الحلبة؟الجواب الأول هو: لا!إن السبب الأقوى لوقوف الأشواط في منتصف الطريق هو (اللامبالاة العامة).«ما الذي تستطيع الكتابة أن تفعله عندما يصبح الحبر أعمى؟».نعم الحبر أعمى حينما لا تصل كلماته إلى هز المبالاة العامة وإيقاظها من سباتها الطويل.اللامبالاة هي التي تؤدي في النهاية إلى ما نتخيله عجزًا أو يأسًا من جدوى الاستمرار ومواصلة الشوط في السباق بين قوة تريد القرار وقوة تملك فرض سواه المعاكس له .. وهذا ناشئ من الوهم الذي توصّل إليه اللامبالاة بأن الوعي العام هو وعي قد اكتمل أولا وثانيا بأنه – مهما كان – لا يشكل قوة معادلة تستحق – على الأقل – التلفت إليها عند اتخاذ القرار.ترى ما هو السبب الخفي لهذه اللامبالاة؟السبب هو الشتات الفكري .. إن الأفكار المشتتة لا تحرّك البحيرة الاجتماعية .. لا تغري انتباه المبالاة العامة .. لأنها لا تشكل صوتا واحدا.. لا تخلق تيارًا أو تؤسس مدرسة .. الأفكار المشتتة ترتبط بمنشئيها فقط.. فإذا سكت أحد روادها سكتت أفكاره معه.. اندثرت وأخذت موقعها أفكار أخرى .. قد تكون أقل منها تأثيرا وتألقا في الفضاء الاجتماعي.الأقلام المأذونـة لا نتكلم عنها.. نتكلم عن تلك التي تحاول رفع المصابيح.. لنقول بصدق – مع التقدير الكامل لصرخة الأستاذ حمود أبوطالب في إحدى مقالاته – إنها معذورة .. لأنها تتحرك في واقع .. وهذا الواقع – بكل معانيه – ما لم يتغيّر على جميع المستويات .. فليس أمام الأقلام سوى معاناة الانتظار والتكرار ركضًا وراء تعرية المشكلات.إننا في حاجة ضرورية إلى صبر الفلاحين الذي يشبه – إلا كثيرًا – المخاض العسير.