د. مبارك الخالدي

د. مبارك الخالدي

أبدأ بالسؤال: هل ينقذ المحرر، دائما، النص من خراب «مالطا» في حال وجوده؟ هرشل باركر يجيب بالنفي، ويتعداه إلى كشف أن المحرر قد ينقي النص من «خراب» ما، ولكن قد يحدث فيه خرابا آخر. هذا أحد الموضوعات التي يتناولها في كتابه الموسوم بـ(نصوص معابة & أيقونات كلامية: السلطة الأدبية في القص الأمريكي). باركر هو مؤلف سيرة الروائي الأمريكي هرمان ملفيل ومحرر كتاباته.يتضمن كتابه العديد من الأمثلة على أن تدخل المحرر الأدبي قد ينجم عنه عيوب في النص. ومن النصوص السردية التي عاث فيها المحرر خرابا هي رواية (أعلام في التراب) للروائي وليام فوكنر. المفارقة هي أن المسؤول عن الخراب هو أول محرر ووكيل لفوكنر : الروائي «بن واسون»، صديقه وزميله أثناء الدراسة في الكلية.شطب واسون من (أعلام في التراب) أربعين ألف كلمة، ما يعادل الخمس من صفحاتها، وزاد على الشطب تغيير العنوان إلى (سارتوريس) الذي خرجت به الرواية إلى السوق في 1929، إلى أن سحبت عام 1973، لتحل محلها النسخة الأصلية بالاسم الذي اختاره فوكنر.يوضح باركر في دراسته العيوب التي أحدثها واسون في الرواية، مشيرا إلى التفكك والتخلخل في بنية النص، وإلى وقوف القارئ محتارا عند بعض الأحداث نتيجة حذف المعلومات التي تجعلها قابلة للفهم ومتسقة مع المنطق العام الذي تنتظم به الأحداث والوحدات السردية في الرواية.لماذا تعرضت رواية (أعلام في التراب) لخراب «مالطا»؟ لأن فوكنر دخل «مطبخ الناشر»، وإن كان ذلك بعد تأليفه الرواية، وخضع مكرها لشرط الناشر تقليص حجمها بعد أن رفضها عدة ناشرين. وكان فوكنر يمر آنذاك في أسوا فترة من حياته: الفشل في علاقته الغرامية، والحاجة للمال التي دفعته للعمل صباغا كما يروي أحد كاتب سيرته- ستيفن أوتس. رغم ما حدث لرواية فوكنر ولغيرها من خراب، أتفق مع العويبيل والمحيميد على أهمية المحرر الأدبي ولكن شرط أن يعمل بالتشاور والتعاون مع المؤلف. لا ينبغي تسليم الأمر كله للمحرر كما فعل فوكنر على مضض تحت وطأة الحاجة.