حسن السبع
قلتُ في كتابة سابقة: لا يمكن النظر إلى الغرب من زاوية واحدة. وأضيف، هنا، إن البون شاسع بين غربٍ يمثله روسو وفولتير ومدام كوري ودانتي وجوته وسرفانتس وذلك الذي يمثله نيرون وستالين وهتلر وموسوليني، أو بين الغرب الذي يمثله تجار السلاح وصانعو الأزمات وملوثو البيئة، والغرب الذي يتظاهر احتجاجا للحفاظ على البيئة ومناصرة قضايا الإنسان العادلة. لكن النموذج الحضاري الغربي ليس فوق النقد .. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن، هنا، هو: ما هي طبيعة ذلك النقد، وما أهدافه ؟ فقد يأتي نقد النجاح، أحيانا، وسيلة لتبرير الفشل .. وقد يكون دافعه أيديولوجيا بحتا .. وفي هذه الحال فإن الناقد المؤدلَج لا يرى إلا ما يريد أن يراه .. لذلك يميز جورج طرابيشي في كتابه (هرطقات) بين نقد الخطاب العربي لتقدم الغرب ونقد الخطاب الآسيوي (السنغافوري والماليزي والهندي والياباني) للغرب .. فيقتبس نماذج من ذلك الخطاب لسياسيين ومثقفين .. من ذلك، على سبيل المثال، خطاب الأب المؤسس لجمهورية سنغافورة (لي كوان يو) الذي أفاض في تعداد سلبيات النموذج الغربي وانتهى قائلا: «تعلمنا من الغرب، لكننا تعلمنا من أخطائه كما من نجاحاته، وإن هي إلا سنوات قليلة ونخاطبه خطاب الند للند». ويمكن لمتابع مسيرة النمو الاقتصادي والاجتماعي الآسيوي أن يلاحظ أن الماضي الثقافي لتلك المجتمعات لم يشكل عائقا دون الانطلاق إلى المستقبل .. وأنها أقل صخبا في الحديث عن المآثر والأمجاد على الطريقة التغلبية التي عبر عنها الشاعر بقوله: «أَلْهتْ بني تغلبٍ عن كلِّ مكرمة/ قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثومِ». وفي مقابل نزعة «تلميع» الذات والبحث عن «المشاجب» لتعليق الإخفاقات، تبدو نبرة نقد الذات والبحث عن مواطن الضعف أعلى في ذلك الخطاب الثقافي الشرق آسيوي من نظيره العربي. ويبدو أن الآباء هنالك في شرق آسيا لم يكونوا «ظاهرة صوتية» تتخذ من (سين) التسويف مظلة لمشاريع خيالية لا تتجاوز حيز الشعارات إلى حيز التطبيق، ويبدو أنهم قد استبدلوا ضجيج الشعارات بضجيج الآلات .. ولم تشغلهم قضايا الآخرين عن قضايا التنمية والتطوير .. كان همهم ترتيب البيت من الداخل .. ولم يهدروا ثرواتهم المادية والبشرية في نزاعات إقليمية .. كما قبلوا بالتعدد العرقي والديني والثقافي، وحوّلوا ذلك التنوع إلى مصدر إثراء يخدم التنمية بدلا من أن يصبح وقودا للصراعات .. والأمر مختلف في المجتمعات التي ما زالت تعيش وفقا للمنطق القائل: «وأحيانا على بكرٍ أخينا إذا ما لم نجدْ إلا أخانا»!! .