د. عبدالوهاب القحطاني
عدت من اليابان بعد زيارة دامت 10 ايام شاهد فيها طلابي والوفد المرافق روائع تويوتا في احد مصانعها بمدينة ناقويا. اتيحت لنا الفرصة للسؤال عن مدى تأثر تويوتا بالاستدعاء الاخير لبعض سياراتها بسبب خلل ميكانيكي كشفته الولايات المتحدة واستغلته للنيل من منافسها اللدود تويوتا، حيث استدعت المدير التنفيذي إلى واشنطن للمساءلة والاعتذار، بل وللإذلال. مكثنا في المصنع قرابة الأربع ساعات كنا في رحلة مع صناعة سيارة تويوتا من الصفائح الحديدية الى مرحلة. فحصها للتأكد من سلامتها. بنت القيادة الادارية في تويوتا امبراطورية سيطرت على اسواق السيارات في العالم وجعلت هذه الشركة العملاقة في كل بيت في العالم حتى في بيوت فقرائه.نعم يحق لرئيس تويوتا التنفيذي ذرف الدموع، وقد ينتحر لأنه يعتقد أنه أخفق وأساء لتويوتا. أما رؤساء الشركات العربية وعلى رأسها سابك فقد ذهب الحياء عنهم والشعور بالعار من فشلهم الذريع للخروج بشركاتهم من الافلاس والخسائر الى الربحية والتنافسية. لقد كان اجدادنا وآباؤنا يشعرون بالعيب إذا اخفقوا في عملهم لأن هذا الشعور من سمات المسلم قبل أن تكون من سمات من يعتنقون ديانة الشنتو اليابانية. في يوم من الايام عندما كنت في معهد اللغة الانجليزية في جامعة ولاية كاليفورنيا فقدت صديقي السيد ياماساهارو المولع بالمغامرات في سن ناهز الستين. وعندما سألت عنه احد الطلاب اليابانيين قال إنه في المنزل حزين على فقد قريبه الذي مات في اليابان بعدما شعر بالعيب لأنه لم يحصل على قبول لدراسة القانون في جامعة طوكيو، حيث صعد إلى أعلى عمارة فيها والقى بنفسه منها ليلقى حتفه. بالطبع هذا انتحار لا يقره ديننا الحنيف، لكن ليس هذا المغزى من سرد هذه القصة. المغزى منها مقارنة ما يحدث عندنا من فشل على مستوى الانسان والدولة في تحقيق الاهداف المنشودة، حيث لا مكان للعيب. يقول أحد أبنائي إن الطلاب يعيرون زميلهم بكلمة "دافور" من كثرة دراسته وانكبابه على الكتاب. يا للسخرية أصبح الإنسان الناجح والمنتج منبوذاً بينما الفاشل المتردي تعتلي وجهه ابتسامات الفرحة لأنه لا ينتمي لفئة الدوافير حسب رأي قطعان الشباب الفاشلين.لقد كانت ثقافة الشعور بالعيب في حال الفشل موجودة بين العرب، حيث يقول الواحد منهم في حال الفشل أين أتجه بوجهي من جماعتي، لكنها اختفت لأسباب يجب دراستها من الناحية السلوكية والاجتماعية. أنا لا أدعو الفاشلين إلى الانتحار وانما أقول لهم ألا تشعرون بالعيب والخجل عندما تفشلون في تحقيق اهدافكم لأسباب تعود لكم بينما لديكم القدرة على التحكم فيها وتغييرها. نحن أمة لا تتعظ من تجارب الآخرين ولا تشعر بالخجل مما نحن عليه الآن من تخاذل وانتاجية ضعيفة بكل المقاييس. الآبأء والأمهات يحاولون ايجاد المبررات الواهية لفشل ابنائهم وبناتهم، بل يعزون فشلهم لمدارسهم ومدرسيهم ومدرساتهم. ويا ويل المدرس والمدرسة من فئة تصب غضبها عليهم بالاعتداء الجسدي بدلاً من الاحترام والتقدير. رأيت تلميذاً ومعلماً يابانيين يركعان لبعضهما من شدة الاحترام فزاد احترامي لثقافتهما بالرغم من أن الركوع لله سبحانه وتعالى. لا نريد التركيع من فلذات اكبادنا لمعلميهم ومعلماتهم وانما القيام عند دخولهم وخروجهم من الفصل الدراسي لأن هذا يدل على الاحترام والتقدير لمن يعلمك ومن هو اكبر منك سناً. الخلاصة أنه لا يمكن لأمة أن تحتل مركزاً مرموقاً بين دول العالم إذا فقدت ثقافة الشعور بالعيب والخجل من فشلها.asalka@yahoo.com