محمد العلي
«سأراقب الأشجار وحدي في ظلام الليل/اسمع صوتها المكبوت في الانساغ/ اجمع ما تساقط من ضفائر شعرها الخضراء/اصحبها معي للبيت/اجلسها على مهل/ اعد لها كؤوس الزنجبيل/ لكي يبث الدفء في أغصانها الجرداء/ أصغي في خشوع وهي تحكي عن كآبتها/ وغربتها المريرة فوق ارصفة الشوارع «...» حيث الثمار تظل تنتظر القطاف بدون جدوى/حيث لا يأوي الى افيائها العشاق/ حيث الريح تعصف في ترائبها.. الخ».انت امام هذه القصيدة للشاعر المتميز عبدالوهاب ابوزيد لابد ان تتذكر مقولة احد النقاد التي تؤكد ان كل نص يحمل فجوات او ثغرات.. وعلى القارئ خلال تلاقيه مع النص وحواره معه.. عليه ان يملأ تلك الفجوات.. وكل قارئ له فجواته.. المتوارية في النص وفي كل زمان.تتذكر هذه المقولة لتسأل: اين هي الفجوات في هذه القصيدة؟ أليس من الاكثر صوابا ان نسأل سؤالا آخر: أليست في داخلنا نحن فجوات قد ملأها النص جماليا؟ ترى أينا اكثر فجوات نحن ام القصيدة؟ان ظمأنا الوجودي الى الكمال.. الى ذلك الحلم المستحيل الذي يقول فيه ابوزيد :«كلما خلته قد دنا من يديابتعديالكثرة روحيوقلة هذا الجسد»هذا الظمأ ليس هو المسئول عن الفجوات المنبثة في داخلنا، بل هو العمى العاطفي الذي ورثناه من التكرار واستساغة المألوف فداحة الاعتياد.انا وانت وهن وهم.. ما هي رؤيتنا للاشجار في الشوارع؟ لقد قيل لنا : انها حلية وبهجة للناظرين.. ورحنا مستسلمين طوعا لهذه الرؤية، بل لهذا المنزلق العريض.. في حين ان الاشجار حتى الانسان الاول كان يعتقد ان لها ارواحا فهي تحس وتشعر وتحب وتكره وتئن وتضحك.. فضلا عن الشاعر الحديث الذي لا يرى فيها تلك الروح الاولى.. بل روحا اخرى نابعة من روحه هو لا مجرد انسنة الاشياء.عبدالقاهر الجرجاني اطلق على الاثر الذي يتركه النص في المتلقي اسم (الفضيلة) وفي تعريف سقراط ان «الفضيلة هي المعرفة» أي ان النص الابداعي يخرجنا من اسر المألوف المعاد الى رحاب رؤية جديدة ولغة جديدة تزيل العمى الجمالي عن أرواحنا.. وهذا ما فعله هذا النص.. انه ما يلقي عليه الضوء نص آخر لنفس الشاعر موجه الى أصدقائه الشعراء :طريق«ان هذي الطريق التيتبذرون عليها خطاكم كئيبةانها جهمة وغريبةفابحثوا عن طريق سواهاانني ابتغي لغة غضة وحميمةتتدفق مثل دم القلبتنساب كالنسغدافئةمثل حضن الحبيبة»..