حسن السبع

حسن السبع

لا يعبأ المعنيُّ بالبحث عن الحقائق والقيم والأفكار الخلاقة، من أي مصدر أتتْ، فهي ضالته يلتقطها أينما وجدها. وكأنَّ لسان حاله يقول: «لا أعرف من أية تربة جاءت هذه الوردة، ولا أريد أن أعرف، فالأريج وحده حقيقة مطلقة». وهذا هو شأن الذين برئوا من الانغلاق والتعصب والانحياز والأحكام المسبقة التي يرى حراسها أن كل ما يأتي من الآخر المختلف عنا مرفوض ولو كان مفيدا وخلاّقا. وفي هذا السياق لا يمكن نكران ما حققه الغرب من فتوحات علمية مدهشة، وما قدمه للعالم على المستوى الفكري والتقني، ففي كل زاوية من بيوتنا شاهد على تلك الإنجازات. إلا أنه لا يمكن النظر إلى الغرب من زاوية واحدة، أو أن يؤدي الإعجاب بالنموذج الحضاري الغربي إلى الاعتقاد بأن ذلك الغرب هو (الدكتور جيكل) أو الرجل الطيب ذو النوايا الحسنة الذي يكرس وقته وعلمه لخدمة البشرية. هنالك وجه آخر للعملة، فالغرب مزيج من شخصية (الدكتور جيكل) الخيرة وشخصية (مستر هايد) الشريرة. كما في رواية الأديب الاسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون. إن الإعجاب بالنموذج الغربي على المستوى الفكري والتقني والإداري، وبقية الجوانب المضيئة الأخرى، لا يحجب عن المتابعِ المنصف الجانبَ المعتم المتمثل في نزعات التسلط، وتسخير التفوق المعرفي والتقني والعسكري لتحقيق الهيمنة، وتغليب جانب المصلحة على جانب الأخلاق، والنفاق السياسي، والتحالف مع الأضداد، وازدواجية المعايير، وإطلاق العنان لنزعات وممارسات (الدكتور هايد) هنا وهناك، وبشكل يناقض القيم والمبادئ والأفكار الخلاقة التي تبناها بعض فلاسفة الغرب ومفكريه وكتَّابه الذين ساهموا في صياغة العالم الحديث. قلتُ في كتابة سابقة «إن للأقوياء منطقهم الخاص، وقد كان العالم، وما زال، بستانا لهم، سواء كانت القوة التي تعزز هيمنتهم علمية أم اقتصادية أم عسكرية. وحين يقرر القوي استخدام مخالبه وأنيابه فسوف يصم أذنيه عن حجج الضعيف مهما بلغت وجاهتها». والمشكلة التي تواجه بعض بلدان العالم الثالث المجردة من القوة، أو التي لا تدرك أين تكمن قوتها، أنها تتعامل مع صناع قرار غربيين يعملون برأي وليم جيمس القائل: «إن نسبة صواب قضية لا تكمن في نسبة أمانة تصويرها لحقيقة مطلقة ثابتة، وإنما في نسبة نجاحها العملي». وهذا منطق لا تجدي معه بلاغة الخطب العصماء التي تلقى في المحافل الدولية، ولا عدالة القضايا التي تطرح على منابرها. وعلى المتضررين أن يبحثوا عن مواطن القوة الذاتية لديهم في عالم لا يحفل إلا بالأقوياء. hsn_saba@hotmail.com