حسن السبع
هل نحن أبلغ من قائل هذا البيت: «كأنَّنا والماءُ من حولِنا.. قومٌ جلوسٌ حولهم ماءُ» ؟! ربما كان الأمر كذلك لو جرَّدنا البيت من بُعده التهكمي، أو دلالته الساخرة التي ربما لم تكن قد خطرت على بال القائل نفسه .. إنه وصف اعتاد حراس البلاغة أن يتعالوا عليه، وأن يختاروه نموذجا للركاكة والتشبيهات المعيبة، لأن تفكيرهم لم يتجاوز حدود أداة التشبيه، حيث يفترض أن يختلف المشبه عن المشبه به .. حتى أولئك الذين حاولوا إنصاف القائل، واجتهدوا كي يجدوا له مخرجا من مأزقه، لم يتجاوزوا دائرة البلاغة إلى رحابة فضاء المعنى .. لكنه خذل الجميع، وحسنا فعل .. وسواء نمَّ قوله هذا عن فطنة أم غفلة، وسواء كان جادا أم هازلا، أو جاء تعبيره رمية من غير رامٍ، فقد وصف بهذا البيت زمنا دائريا يتم فيه اجترار الأفكار وطرق التعبير، كما يعاد فيه تدوير المضامين لتتخذ أشكالاً جديدة في ظاهرها، قديمة بالية في جوهرها .. حيث تنتهي الأشياء دائما بالعودة إلى نقطة البدء .. وفي إطار هذا الزمن الدائري يمكننا أن نردد مع الشاعر: «كأنَّنا والماءُ من حولِنا.. قومٌ جلوسٌ حولهم ماءُ»! وهي حالة من الثبات لخصها المثل الشعبي القائل: «طول عمرك يا زبيبة»! وما زال سؤال الشاعر السياب القائل: «جيكور.. ماذا أنمشي نحن في الزمنِ .. أم أنه الماشي ونحن وقوف؟» ساري المفعول حتى يومنا هذا. أما إذا افترضنا الحركة في ذلك الوصف فهي حركة دائرية أيضا، يمثل فيها الماضي دائما نقطة البداية والنهاية .. فهو يعتقل الحاضر ويعيق تقدمه الصاعد .. تصبح «البداية» كما يعبر أدونيس «هي القاعدة والمعيار .. وكل منا يدعي أنه البداية الأصلية». يقف حبيس الزمن الدائري، العمر كله، ضد كل خطاب لا يشبه خطابه، وكل منطق لا يشبه منطقه، وتوجّه لا يلتقي مع توجّهه. لكنه لا يقف، ولو للحظات قصيرة، في مواجهة مع الذات، فلا مساحة للمكاشفة الصادقة المخلصة في ظل ثقافة تدور حول ذاتها، وترى نموذجها هو النموذج الأمثل والأكمل والأجمل .. حتى الأسئلة التي تطرح، ضمن هذه الدائرة المغلقة، تعبر عن حالة دائرية .. فهي أسئلة تقريرية، وإن لبست جلباب الاستفهام. وهي أسئلة لا تنتج شيئا جديدا، لأنها شكل من أشكال الإجابات، وقد تكون أشد استبدادا وعنفا من بعض الإجابات التي ما فتئت تحاصرنا بيقينها وحدتها على شكل مواعظ تقترح علينا أن «لا نأكل البازلا بالسكين» كما يتهكم برتراند راسل.hsn_saba@hotmail.com