مطلق العنزي
اكتشاف قرية «عبد قيس» في الراكة بالخبر نبأ مفرح جداً ويملأنا حبوراً وسعادة. ولكن هذا الفرح يداعي حزناً عميقاً وآهة بطول تاريخ جزيرة العرب. وتاريخها يمتد إلى ملايين السنين. بمعنى أن «آهتنا» هي أطول آهة في التاريخ وتستحق أن ترصدها مؤسسة «جينس» للأرقام القياسية.لماذا؟لأننا أسوأ قوم معاصرين يتنكرون للتاريخ. وقد أقمنا للتاريخ مشانق ومقاصل ومآتم، حتى بدا يتوارى وكأنه يخشى بطشنا.في وقت كان بعضنا يبحث عن الآثار ويدمرها، كان قوم آخرون يسهرون الليالي ويقطعون الفيافي والقفار ليحصوا أثراً صغيراً في طرف وديان وصحار نائية، ويحافظون عليه ويؤهلونه للسياحة والانتاج الاقتصادي والوعي الفكري والثقافة التاريخية.جزر نائية في أقصى الدنيا يمر بها البشر مضطرين وهم عجالى، ينقب سكانها وعلماؤهم عن آثارهم ويحافظون عليها، بينما بلادنا، وهي سجل التاريخ الأممي الخالد، وأرض الأنبياء وقبلة الدنيا.، نستهين ونستخف بتاريخها بأسوأ ما يتعامل الإنسان مع جذوره. وكأننا بلد هبط تواً من سديمات غريبة أو قذفه نيزك عدائي عابر.أؤمن وأتخيل أن في كل كيلومتر مربع من الجزيرة العربية توجد مدينة أو قرية مندثرة. لأن علاقة الجزيرة العربية بالإنسان علاقة قديمة، وهي في موقع متوسط من العالم الذي شهد أكثر أحداث البشرية حرارة وتقلبات.وقد اكتشف الباحثون أن مدينة «طروادة» الإغريقية الشهيرة (شمال غرب تركيا) ليست طروادة واحدة، وإنما هي «سبع طروادات» بعضها فوق بعض.وربما مدينة الراكة الأثرية هي «راكات» كثيرة متفرقة ومتجمعة وربما متعامدة، بمعنى ربما يكتشف الباحثون أن تحت «الراكة» مدنا اخرى و«حياة» كانت تعج بالحركة، ربما أسكتتها تقلبات الجيولوجيا والهجرة والحروب وعلاقات البشر المتقلبة المهيبة الغامضة المثيرة.الآن «نفكر» بإنشاء متاحف في حائل وتبوك والباحة، بوجود متاحف متواضعة في مدن أكبر، وهي مدن عجنها طول التاريخ بهوية وهويات وتقلبات وأحداث وحضارات ومماليك وعبرتها الهجرات. بينما جزيرة صغيرة ونائية و«منسية» لحقب طويلة من التاريخ مثل موريشيوس شيدت متاحف منذ بداية القرن الماضي.ولا بد من الإشادة بمتحف الرياض، فهو انتزع التاريخ من في الأسد، ومن أيدي المدمرين الموهومين، وحفظه تاريخياً حياً نابضاً بالعلم والموعظة والعبر ودهشة التحولات.كان يمكن أن تتحول مدائن صالح إلى قبلة العالم السياحية. فهي توازي الاهرامات في مصر، ولكنها الآن شبه منسية تقريباً، ولا يعرفها العالم. بينما كان يجب أن تكون معلماً سياحياً عالمياً تدر دخلاً سوف يحل محل دخل البترول لدى الأجيال القادمة. وكل شبر في الجزيرة العربية يوجد اثر علينا أن نؤهله من الآن كي يمول الأجيال القادمة ويرصد التاريخ ويعطيها مثلاً للتربية والعبرة.*وترهذه الأرض صفحة التاريخ الخالد، إذ عويل الرياح وخفاف مطي السرى تنسج علاقات الحياة.تتوهج ثاج وتيماء والمدائن، وأم القرى وتفاخر بعناقها بالشمس وأزمنة ما وراء التاريخ.وتتباهى الواحات بعطرها وسخاء النخيل، وأناشيد الولهى العابرين.malanzi@alyaum.com