حسن السبع
للأقوياء منطقهم الخاص، وقد كان العالم، وما زال، بستانا لهم، سواء كانت القوة التي تعزز هيمنتهم علمية أم اقتصادية أم عسكرية. وحين يقرر القوي استخدام مخالبه وأنيابه فسوف يصمّ أذنيه عن حجج الضعيف مهما بلغت وجاهتها.. ومن يفاوض من مركز الضعف معتمدا على بلاغة بيانه، وعدالة قضيته فهو أشبه بالأرنب البري في إحدى حكايات إيسوب. يقول الراوي: دعا الأرنب زملاءه إلى اجتماع عاجل لمناقشة أوضاعهم بين الحيوانات، ووقف خطيبا فقال: «إن من حقنا أن ننال أنصبة متساوية مع الحيوانات الأخرى». فرد عليه الأسد ساخرا: «خطبة عصماء، لكن ينقصها ما لدينا من مخالب وأنياب»! ومعنى هذا أن أية قضية عادلة بحاجة إلى قوة تدعمها، لأنها أصدق إنباءً من الخطب .. لذلك يرى إميل سيوران أن «الشعوب التي تعيش مبالغاتها الكلامية، هي كارثة بالنسبة إلى نفسها وبالنسبة إلى الشعوب الأخرى»! حتى فلسفة اللا عنف التي تبناها غاندي لم تكن مجردة من القوة، بل كانت تعبيرا عن القوة، أي عن ممارسة قدرة لإحداث تغيير اجتماعي أو فردي كما يرى روجيه جارودي. للأقوياء حججهم التي تحقق أهدافهم، ولكنها في الغالب حجج وذرائع واهية .. وقد سمعنا كثيرا بالعبارة القائلة: «إن الحق نطّاح». لكن كيف يكون كذلك إذا جُرِّد من القرون؟ تذكرنا هذه الملاحظة بحكاية أخرى للفيلسوف إيسوب تقول: عندما رأى الذئبُ الحملَ يشرب من النهر أراد أن يلتهمه، فبحث عن ذريعة .. كان يقف أعلى مجرى النهر، ومع ذلك اتهم الحمل بتعكير الماء .. فأجاب الحمل بأنه لا يشرب إلا بطرف لسانه، وأنه يقف أسفل النهر، فكيف يمكنه تعكير الماء؟ .. وعندما رأى الذئب أن التوفيق قد خانه، قال: «حسنا .. العام الماضي سمعتك تسب والدي» .. لكن الحمل أجاب: «إنني لم أكن قد ولدت بعد !» فقال الذئب: إنك بارع في البحث عن ردود، ولكني سوف آكلك على كل حال»! هذا هو منطق القوة الجائر الذي يفتقر إلى كابح أخلاقي. لكن القوة وحدها لا تكفي ما لم تكن مدعومة بقوة العقل .. وإذا انتفت الحكمة أصبحت القوة خطرا على من يمتلكها .. وحين توضع الإمكانيات تحت تصرف صناع القرار، وهم عادة أولئك الذين يشغلون مكاتب فخمة واسعة فعلينا أن نتذكر العبارة القائلة: «تستطيع أن تهيئ لشخص ما مكتبا واسعا، لكنك لا تستطيع أن تجعل منه شخصا واسع الأفق»! وفي غياب الحكمة وسعة الأفق قد تتحوّل كل تلك الإمكانيات والقدرات إلى رحيق في غربال. hsn_saba@hotmail.com