خليل الفزيع

خليل الفزيع

في بداية عمل شركة أرامكو للتنقيب عن النفط في هذه المنطقة، واجهتها صعوبات جمة، نتيجة ظروف بيئية وجيولوجية واجتماعية، أفرزت معاناة تحملها أولئك القادمون من أقصى الدنيا للتنقيب عن النفط، والعمل في حقوله في ظروف صعبة وأوضاع تختلف تماما عن الأوضاع التي كانوا يعيشونها في بلادهم.وقصة المكتشفين الأوائل القادمين من بلاد العم سام.. جديرة أن تسجل وأن تروى للأجيال الجديدة، فهي ملحمة الطموح الذي لا يعرف الحدود، والإرادة التي لا تعترف بالمستحيل، ومن عاش فترة البدايات يشهد للحقيقة والتاريخ أن أولئك الفتية القادمين من وراء البحار، كتبوا مجدا لهذه البلاد قبل أن يكتبوه لأنفسهم، وحققوا إنجازا لهذا الوطن قبل أن يحققوه لذواتهم، في وقت كانت فيه منشآت السكن اللائق والترفيه المناسب شبه معدومة، فلم تكن مدن النفط كما هي عليه الآن من الرفاهية والأمن، بل كانت تقلبات الطبيعة الصحراوية عامل إحباط لمن لا يملكون الطموح والإرادة، وكانت غارات لصوص الصحراء على تجهيزات التنقيب تسبب إزعاجا وقلقا للشركة والعاملين فيها من الأمريكان، الذين وطنوا أنفسهم على قبول أوضاع وظروف وحياة تختلف تمام الاختلاف عن الأوضاع والظروف والحياة التي كانوا يعيشونها في بلادهم، وحينها قاموا بمعظم الأعمال الرئيسية والفرعية لعدم توفر اليد العاملة القادرة على تسيير أعمال الشركة في ذلك الوقت، إلى أن شرعت أرامكو في توظيف وتدريب العمالة الوطنية. وبقيت الشركة لوقت غير قليل خالية من كبار الموظفين السعوديين، وكان مسمى (عمال أرامكو) هو السائد، حتى تحقق فيما بعد مسمى (موظفي أرامكو) فقد كانت العمالة السعودية تقوم بالأعمال الثانوية، إلى أن تدرجت إلى مسمى الموظفين المتوسطين، ثم كبار الموظفين، بعد أن وفرت لها الشركة فرص التدريب والابتعاث والتخصص في مجالات النفط وتقنيات التنقيب والإدارة، وقد أبلى السعوديون بلاء حسنا في المهمات التي أوكلت إليهم بحكم النظام الصارم الذي اتبعته الشركة، وألقى بظلاله على الحياة والمجتمع في المنطقة الشرقية، ليصبح أكثر التزاما بالنظام، ولتنتعش في مدنه الحركة التجارية والصناعية، وليصبح في وقت من الأوقات العمل في أرامكو حلم الكثيرين من الشباب ومن جميع مدن وقرى المملكة دون استثناء.ما يسجل عن فترة البدايات هو ما بذله المكتشفون الأوائل للنفط، من جهود وتضحيات لتحقيق النجاح لمشروع كان أشبه بالحلم، ولتنعم البلاد بخيراتها رغم ما كان يعتري اتفاقية النفط من قصور أمكن تداركه فيما بعد.. لتأخذ البلاد نصيبها كاملا وليأخذ الموظفون حقوقهم كاملة أيضا، وهذا لا يعني أن أولئك القادمين من البعيد ملائكة تحققت على أيديهم المدينة الفاضلة، فهم بشر يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من الخطأ والصواب، ولكن المؤكد أن تضحيتهم بالقدوم من المدن العامرة إلى الصحراء القاحلة.. لابد أن تسجل تاريخا ناصعا يدفع أصحابه إلى الاعتزاز به، وهو في كل الحالات جزء من تاريخ هذه البلاد، يمثل بداية نهضتها وتقدمها وازدهارها... قصة المكتشفين الأوائل هي قصة التاريخ الذي لم يكتب بعد، ليس تسجيلا تاريخيا فقط، ولكن أيضا إبداعا في القصة والشعر والرواية وجميع ألوان الإبداع الأدبي والفني.khlilf@hotmail.com