حسن السبع
قل لي ما الذي يقلقك .. أقلْ لك من أنت! فقلق العيش يبدأ بتأمين ما هو ضروري صعودا إلى ما هو كمالي، واهتمامات المرء دليل على مستوى معيشته، وهي ترمومتر طموحاته وتطلعاته، لذلك تتفاوت الاهتمامات تبعا لتفاوت ظروف المجتمعات المعيشية والبيئية والاجتماعية. ففي حال المجاعة، على سبيل المثال، لا يفكر الناس في تدليل الكلاب بل في أكلها .. حدث ذلك عبر عصور التاريخ المختلفة .. حدث في حصار غرناطة، وفي مصر في عهد المستنصر الفاطمي، وفي مجاعة 1870م في فرنسا. وفي بعض الحالات المعيشية والصحية المتردية لا يفكر الناس، مثلا، في تشكيل (جبهة تحرير) تناضل من أجل تحقيق استقلال الحيوان .. أو علاج الكلاب بالإبر الصينية، أو إصدار المجلات التي تعنى بشؤون الكلاب كنظافتها وعلاجها وأطعمتها وملابسها وأطواقها وبقية الإكسسوارات الأخرى. قد يعلق أحدهم قائلا: «دي ناس فاضية»! لكن الأمر ليس كذلك، لأن وقت الفرد في مجتمعات (الشمال) حافل بالعمل والإنتاج والإبداع .. وفي كل زاوية من بيوتنا شاهد على تلك الإنجازات!لكن، كيف وصلت تلك المجتمعات إلى هذه المرحلة من الترف والرفاهية والاهتمام بكل ما هو غرائبي؟ يلاحظ المعنيون بسر تقدم الأمم أنه قد تهيأ لها مؤسسون جمعوا بين السياسة والكياسة، وبين الإدارة والثقافة، والطموح والإحساس بالمسؤولية، والسلطة وعدم استغلال السلطة .. كانوا مفكرين قبل أن يكونوا قادة .. وعلى سبيل المثال، فإن الذين صاغوا (وثيقة الاستقلال) في أمريكا عام 1776م كانوا متأثرين بأفكار فولتير وروسو وغيرهما من رجال الفكر في القارة القديمة .. فهي «أمة ولدت من فكرة» كما يعبر ثيودور وايت. و»بذهاب الحضارة الأوروبية إلى أمريكا وعودتها إلى أوروبا متأمركة اكتملت الدائرة»! كما يقول ستيفن سبندر. في بعض بلدان العالم الثالث انشغلت الإنتلجنسيا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بقضايا كبيرة, ومشاريع طوباوية وشعارات وعناوين فضفاضة لا يمكن لها أن تتجاوز حيز الورق الذي كتبت عليه .. فالمُنَظّر، والحال هذه، أشبه بفقير محاصر بقائمة طويلة من المنغّصات المعيشية من شروق الشمس إلى غروبها، وبما يراه في منامه من كوابيس مزعجة، لكنه يقفز فوق واقع حياته فيتحدث عن أنواع الكافيار وألوانها وأسعارها وأماكن إنتاجها، وعن منتجعات وشاليهات لم تطأها قدمه .. تلك طبقة مثقفة «لا تحسن» كما يقول علي حرب «سوى نقض الوقائع لكي تصح المقولات». أما نتائج ذلك النمط من التفكير فقد كانت في أفضل حالاتها غير مؤثرة، وفي أسوأ الحالات مدمرة. hsn_saba@hotmail.com